اللَّحْيَيْنِ أَسْنَانٌ فَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا تَنْبُتُ مَعَ قَلْعِهَا فَعَلَيْهِ دِيَةُ اللَّحْيَيْنِ وَدِيَاتُ الْأَسْنَانِ ، وَلَا تَدْخُلُ دِيَاتُهَا فِي دِيَةِ اللَّحْيَيْنِ . فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا دَخَلَتْ دِيَتُهَا فِي دِيَةِ اللَّحْيَيْنِ لِحُلُولِهَا فِيهَا كَمَا دَخَلَتْ دِيَةُ الْأَصَابِعِ فِي دِيَةِ الْيَدِ . قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اسْمَ الْيَدِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ وَلَا يَنْطَلِقُ اسْمُ اللَّحْيَيْنِ عَلَى الْأَسْنَانِ وَلَا اسْمُ الْأَسْنَانِ عَلَى اللَّحْيَيْنِ . وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّحْيَيْنِ قَدْ يَتَكَامَلُ خَلْقُهُمَا مَعَ عَدَمِ الْأَسْنَانِ فِي الصَّغِيرِ وَيَبْقَيَانِ عَلَى كَمَالِهِمَا بَعْدَ ذَهَابِ الْأَسْنَانِ مِنَ الْكَبِيرِ ، وَلَا يَكْمُلُ خَلْقُ الْيَدِ إِلَّا مَعَ أَصَابِعِهَا ، وَلَا تَكُونُ كَامِلَةً بَعْدَ ذَهَابِهَا . وَالثَّالِثُ: أَنَّ لِلَّحْيَيْنِ مَنَافِعَ غَيْرَ حِفْظِ الْأَسْنَانِ ، وَلِلْأَسْنَانِ مَنَافِعَ غَيْرَ مَنَافِعِ اللَّحْيَيْنِ ، فَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحِكْمَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَنَافِعَ الْكَفِّ ، لِأَنَّهُ يَحْفَظُ الْأَصَابِعَ ، فَإِذَا زَالَتْ بَطَلَتْ مَنَافِعُهَا فَصَارَتْ تَبَعًا لَهُمَا فَلَوْ جَنَى عَلَى لَحْيَيْهِ فَيَبِسَتَا حَتَّى لَمْ يَنْفَتِحَا وَلَمْ يَنْطَبِقَا ديتها ضَمِنَهُمَا بِالدِّيَةِ كَالْيَدِ إِذَا شُلَّتْ ، وَلَا يَضْمَنُ دِيَةَ الْأَسْنَانِ وَإِنْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُهَا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا وَقَفَ نَفْعُهَا بِذَهَابِ مَنَافِعِ غَيْرِهَا ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ"الْأُمِّ"فَلَوِ اعْوَجَّ اللَّحْيَانِ لِجِنَايَتِهِ الدية وَجَبَ عَلَيْهِ حُكُومَةٌ بِحَسَبِ شَيْنِهِ وَضَرَرِهِ ، وَلَا يَبْلُغُ بِهَا الدِّيَةَ إِذَا كَانَا يَنْطَبِقَانِ وَيَنْفَتِحَانِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَلَوْ ضَرَبَهَا فَاسْوَدَّتْ السن ( الدية ) فَفِيهَا حُكُومَةٌ ( وَقَالَ ) فِي كِتَابِ عُقُولِهَا ثُمَّ عَقَلَهَا ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ: الْحُكُومَةُ أَوْلَى لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا بِالْقَطْعِ وَالْمَضْغِ وَرَدِّ الرِّيقِ وَسَدِّ مَوْضِعِهَا قَائِمَةٌ كَمَا لَوِ اسْوَدَّ بَيَاضُ الْعَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا حُكُومَةٌ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا بِالنَّظَرَ قَائِمَةٌ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا ضَرَبَ سِنَّهُ فَاصْفَرَّتْ أَوِ اخْضَرَّتْ حكم ديتها فَفِيهَا حُكُومَةٌ إِذَا لَمْ يَذْهَبْ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِهَا ، وَحُكُومَةُ الْخُضْرَةِ أَكْثَرُ مِنْ حُكُومَةِ الصُّفْرَةِ ، لِأَنَّهَا أَقْبَحُ ، فَأَمَّا إِنْ ضَرَبَهَا فَاسْوَدَّتْ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا: فِيهَا حُكُومَةٌ كَمَا لَوِ اصْفَرَّتْ أَوِ اخْضَرَّتْ ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْعَقْلِ: ثُمَّ عَقَلَهَا . فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ الْمُزَنِيُّ وَالْمُتَقَدِّمُونَ مِنْهُمْ يُخَّرِجُونَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافٍ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِيهَا حُكُومَةٌ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ ، لِبَقَاءِ مَنَافِعِهَا بَعْدَ سَوَادِهَا ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى عَيْنِهِ فَاسْوَدَّ بَيَاضُهَا لِبَقَاءِ نَظَرِهَا بَعْدَ سَوَادِ الْبَيَاضِ .