فهرس الكتاب

الصفحة 5875 من 8432

كَانَ هَذَا الْإِفْضَاءُ بِوَطْءٍ وَهُوَ الْأَغْلَبُ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجٍ فِي نِكَاحٍ . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ . وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ زِنًا . فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجٍ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ فَعَلَيْهِ دِيَةُ الْإِفْضَاءِ وَكَمَالُ الْمَهْرِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِفْضَاؤُهَا غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الزَّوْجِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَهْرِ ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ مَا اسْتُبِيحَ مِنَ الْوَطْءِ لَمْ يُضْمَنْ بِهِ مَا حَدَثَ مِنِ اسْتِهْلَاكٍ كَزَوَالِ الْعُذْرَةِ ، وَلِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُبَاحَ لَا تُضْمَنُ سِرَايَتُهُ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ . وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّهَا جِنَايَةٌ قَدْ يَتَجَرَّدُ الْوَطْءُ عَنْهَا فَلَمْ يَدْخُلْ أَرْشُهَا فِي حُكْمِهِ كَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ لَا يَسْقُطُ بِالْمَهْرِ فِيهِ دِيَةُ الْإِفْضَاءِ ، وَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ وَجَبَا بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، لِأَنَّهُ مَهْرٌ مُسْتَحَقٌّ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَدِيَةٌ مُسْتَحَقَّةٌ بِالْإِفْضَاءِ فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ ، وَلِأَنَّ الْجِنَايَاتِ إِذَا ضَمِنَهَا غَيْرُ الزَّوْجِ ضَمِنَهَا الزَّوْجُ كَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْعُذْرَةُ ، لِأَنَّهَا مِنَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقَّةٌ ، وَبِهَذَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِحُدُوثِ سِرَايَتِهِ عَنْ فِعْلٍ مُبَاحٍ فَلَيْسَ مَا أَدَّى إِلَى الْإِفْضَاءِ مُبَاحًا ، وَجَرَى مَجْرَى ضَرْبِ الزَّوْجَةِ يُسْتَبَاحُ مِنْهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى التَّلَفِ وَلَا يُسْتَبَاحُ مَا أَدَّى إِلَيْهِ ، وَهُوَ يُضْمَنُ فِي الضَّرْبِ مَا أَدَّى إِلَى التَّلَفِ فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ بِالْوَطْءِ مَا أَدَّى إِلَى الْإِفْضَاءِ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْإِفْضَاءُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ ديته ، فَيَلْزَمُ الْوَاطِئَ بِالشُّبْهَةِ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْوَطْءِ ، وَدِيَةُ الْإِفْضَاءِ ، وَلَا يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ دِيَةُ الْإِفْضَاءِ وَيَسْقُطُ بِهَا الْمَهْرُ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ ضَمَانَ الْعُضْوِ بِالْإِتْلَافِ يَدْخُلُ فِيهِ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ كَمَا يَضْمَنُ يَدَهُ إِذَا قَطَعَهَا بِمَا يَضْمَنُهَا بِهِ لَوْ أَشَلَّهَا . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةٌ قَدْ تَنْفَكُّ عَنْ وَطْءٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمُهْرُ فِي أَرْشِهَا ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أَحَدَ أَعْضَائِهَا ، وَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ وَجَبَا بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَمْ يَتَدَاخَلَا كَالْقِيمَةِ وَالْجَزَاءِ ، وَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ جَمْعِهِمْ بَيْنَ قَطْعِ الْيَدِ وَشَلَلِهَا . فَإِذَا ثَبَتَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَهْرِ الْمِثْلِ وَدِيَةِ الْإِفْضَاءِ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُفْضَاةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا ، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا الْتَزَمَ مُفْضِيهَا ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ ، مَهْرَ مِثْلِهَا ، وَدِيَةَ إِفْضَائِهَا ، وَحُكُومَةَ اسْتِرْسَالِ بَوْلِهَا ، وَإِنْ كَانْتَ بِكْرًا الْتَزَمَ الْأَحْكَامَ الثَّلَاثَةَ ، وَهَلْ يَلْتَزِمُ مَعَهَا أَرْشَ بَكَارَتِهَا أَوْ تَكُونُ دَاخِلًا فِي دِيَةِ إِفْضَائِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت