فهرس الكتاب

الصفحة 5897 من 8432

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكُلُّ جِنَايَةِ عَمْدٍ لَا قِصَاصَ فِيهَا فَالْأَرْشُ فِي مَالِ الْجَانِي . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا جِنَايَةُ الْخَطَأِ الْمَحْضِ وَعَمْدِ الْخَطَأِ فَتَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ ، وَأَمَّا جِنَايَةُ الْعَمْدِ الْمَحْضِ فَفِي مَالِ الْجَانِي وَلَا تَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ ، سَوَاءٌ وَجَبَ فِيهَا الْقِصَاصُ أَوْ لَمْ يَجِبْ كَالْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ . وَقَالَ مَالِكٌ: مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ مِنَ الْعَمْدِ تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ كَالْخَطَأِ ، وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلِأَنَّ مَا لَمْ تَتَحَمَّلْهُ الْعَاقِلَةُ مِنَ الْعَمْدِ إِذَا وَجَبَ فِيهِ الْقَوَدُ لَمْ تَتَحَمَّلْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْقَوَدُ كَجِنَايَةِ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ ، وَلِأَنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ مُغَلَّظَةٌ وَتَحَمُّلُ الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفٌ ، فَتَنَافَى اجْتِمَاعُهُمَا ، وَلِأَنَّ تَحَمُّلَ الْعَاقِلَةِ رِفْقٌ وَمَعُونَةٌ ، وَالْعَامِدُ مُعَاقَبٌ لَا يُعَانُ وَلَا يُرْفَقُ بِهِ ، وَالْخَاطِئُ مَعْذُورٌ ، فَلِذَلِكَ خُصَّ بِالْمَعُونَةِ وَالرِّفْقِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَقِيلَ جِنَايَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ عَمْدًا وَخَطَأً يَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ وَقِيلَ لَا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنْ تَحْمِلَ الْعَاقِلَةُ الْخَطَأَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فَلَوْ قَضَيْنَا بِهَا إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ خَالَفْنَا دِيَةَ الْعَمْدِ لِأَنَّهَا حَالَّةٌ فَلَمْ يُقْضَ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِدِيَةِ عَمْدٍ بِحَالٍ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِهِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِمَا فِيهِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا ، وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْخَطَأِ ، وَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ الْعَمْدِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ وَلِأَنَّ كُلَّ مَا سَقَطَ فِيهِ الْقَوَدُ بِكُلِّ حَالٍ كَانَ فِي حُكْمِ الْخَطَأِ كَالْخَطَأِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْعَمْدِ وَإِنْ سَقَطَ فِيهِ الْقَوَدُ ، لِأَنَّ صِفَةَ الْعَمْدِ مُتَمَيِّزَةٌ فَكَانَ حُكْمُهَا مُتَمَيِّزًا ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ قَدْ وَقَعَ الْفَرْقُ فِيهِ بَيْنَ عَمْدِهِ وَنِسْيَانِهِ إِذَا تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَأَكَلَ فِي الصِّيَامِ وَتَطَيَّبَ فِي الْحَجِّ ، فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ عَمْدِهِ وَخَطَئِهِ فِي الْقَتْلِ ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ عَمْدِهِ وَخَطَئِهِ فِي الْعِبَادَاتِ وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْجِنَايَاتِ كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا صَحَّ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا أَنَّ عَمْدَهُ كَالْخَطَأِ ، فَالدِّيَةُ مُخَفَّفَةٌ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ، لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَتَحَمَّلُ إِلَّا مُؤَجَّلًا الدية ، وَإِذَا قِيلَ بِالثَّانِي أَنَّ عَمْدَهُ عَمْدٌ وَإِنْ سَقَطَ فِيهِ الْقَوَدُ ، فَالدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ حَالَّةٌ تَجِبُ فِي مَالِهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت