وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُ ، لِأَنَّ الْقُنُوتَ دُعَاءٌ وَهَذَا لَيْسَ بِدُعَاءٍ
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: مِنْ هَيْئَةِ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ ، القنوت في الصلاه فَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا أَسَرَّ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ إِمَامًا فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُسِرُّ بِهِ ، لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَمَوْضُوعُهُ الْإِسْرَارُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا [ الْإِسْرَاءِ: ] وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجْهَرُ بِهِ كَمَا يَجْهَرُ بِقَوْلِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، لَكِنْ دُونَ جَهْرِ الْقِرَاءَةِ ، فَإِذَا قِيلَ إِنَّ الْإِمَامَ يُسِرُّ فِي الْقُنُوتِ قَنَتَ الْمَأْمُومُ خَلْفَهُ سِرًّا ، وَإِنْ قِيلَ يَجْهَرُ بِهِ سَكَتَ الْمَأْمُومُ مُسْتَمِعًا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ ، لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ ، وَلَوْ سَكَتَ وَقَدْ أُمِرَ بِالْقُنُوتِ لَمْ يَلْزَمْهُ سُجُودُ السَّهْوِ ، لِأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ ، وَلَكِنْ لَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ نَاسِيًا القنوت فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ ، وَلَوْ تَرَكَهُ عَامِدًا كَانَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ القنوت وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِلسَّهْوِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَاهٍ وَالثَّانِي: عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ السَّاهِي كَانَ الْعَامِدُ أَوْلَى بِهِ فَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي مَحَلِّ الْقُنُوتِ فَمَحَلُّهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ إِذَا فَرَغَ مِنْ قَوْلِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فَحِينَئِذٍ يَقْنُتُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ يُكَبِّرُ وَيَقْنُتُ وَقَالَ مَالِكٌ: يَقْنُتُ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ ، وَبِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ ؟ قَالَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ بِيَسِيرٍ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَخُفَافُ بْنُ إِيمَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، وَلِأَنَّ الْقُنُوتَ دُعَاءٌ ، وَمَحَلُّ الدُّعَاءِ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَوَجَبَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ فِي مَحَلِّهِ ، وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ مِنَ الذِّكْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَمَحَلُّهُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ كَالتَّوَجُّهِ وَالِاسْتِعَاذَةِ ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْقُنُوتَ لَا يَتَقَدَّمُ الْقِرَاءَةَ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ الرُّكُوعَ ، فَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَلَا أَصْلَ لَهُ ، وَأَمَّا قُنُوتُ عُثْمَانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَبْلَ الرُّكُوعِ فَقَدْ كَانَ يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ زَمَانًا طَوِيلًا ، ثُمَّ قَالَ قَدْ كَثُرَ النَّاسُ فَأَرَى أَنْ يَكُونَ الْقُنُوتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ لِيَلْحَقَ النَّاسُ الرَّكْعَةَ وَلَا تَفُوتُهُمْ ، وَكَانَ هَذَا مِنْهُ رَأْيًا رَآهُ ، وَقَدْ قَنَتَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بَعْدَ الرُّكُوعِ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مَحَلَّ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَإِنْ خَالَفَ وَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ ، فَإِنْ كَانَ مَالِكِيًّا يَرَى ذَلِكَ مَذْهَبَهُ أَجْزَأَهُ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا لَا يَرَاهُ مَذْهَبًا فَفِي إِجْزَائِهِ وَجْهَانِ: