فهرس الكتاب

الصفحة 6050 من 8432

وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الِامْتِنَاعِ مِنِ اسْتِحْلَافِهِ ، هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ وَاجِبٌ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ، فَإِنْ أُحْلِفَ فِي حَالِ سُكْرِهِ أَجْزَأَ: لِأَنَّنَا نُجْرِي عَلَيْهِ فِي السُّكْرِ أَحْكَامَ الْمُفِيقِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَاجِبٌ ، وَأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ فِي حَالِ سُكْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ ، لِمَا قَدَّمَنَا مِنْ وَضْعِ الْيَمِينِ لِلزَّجْرِ ، وَسُكْرُهُ يَصُدُّ عَنِ الِانْزِجَارِ . وَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ جَعَلَ مَنْعَ الشَّافِعِيِّ مِنِ اسْتِحْلَافِهِ فِي السُّكْرِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ لَا يَقَعُ ، فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ الشَّافِعِيِّ بِوُقُوعِ طَلَاقِهِ وَصِحَّةِ ظِهَارِهِ وَثُبُوتِ رِدَّتِهِ ، وَمُنِعَ مِنْ إِحْلَافِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ مِنْ رِدَّتِهِ حَتَّى يُفِيقَ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ فِي جَمِيعِهَا أَحْكَامُ الصَّاحِي فِيمَا لَهُ وَفِيمَا عَلَيْهِ مِمَّا ضَرَّهُ أَوْ نَفَعَهُ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَيَحْمِلُ مَنْعَهُ مِنْ إِحْلَافِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ ، وَأَنَّهُ إِنْ حَلَفَ وَتَابَ صَحَّتْ أَيْمَانُهُ وَتَوْبَتُهُ كَالْمُفِيقِ . فَعَلَى هَذَا: لَا دَلِيلَ لِلْمُزَنِيِّ فِيهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصَّاحِي فِيمَا عَلَيْهِ مِمَّا يَضُرُّهُ ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصَّاحِي فِيمَا لَهُ مِمَّا يَنْفَعُهُ: لِأَنَّ السُّكْرَ مَعْصِيَةٌ تُوجِبُ التَّغْلِيظَ ، فَاخْتُصَّ بِلُزُومِ أَغْلَظِ الْحُكْمَيْنِ وَسُقُوطِ أَخَفِّهِمَا . فَعَلَى هَذَا: لَا دَلِيلَ لِلْمُزَنِيِّ فِيهِ: لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ تَغْلِيظٌ ، وَصِحَّةُ الْأَيْمَانِ تَخْفِيفٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَقَدْ قِيلَ: لَا يَبْرَأُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إِلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا في القسامة ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَلَا يُحْتَسَبُ لَهُمْ يَمِينٌ غَيْرُهُ ، وَهَكَذَا الدَّعْوَى فِيمَا دُونَ النَّفْسِ . وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ مِنَ الْأَيْمَانِ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ ، فِي الْيَدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ، وَفِي الْمُوضِحَةِ ثَلَاثَةُ أَيْمَانَ . ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ قَالَ فِي أَوَّلِ بَابٍ مِنَ الْقَسَامَةِ: وَلَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ فِي دُونِ النَّفْسِ . وَهَذَا عِنْدِي أَوْلَى بِقَوْلِ الْعُلَمَاءِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى تَغْلِيظُ الْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ ، فَأَمَّا تَغْلِيظُهَا فِي غَيْرِ الْقَسَامَةِ مِنَ الدِّمَاءِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: تَغْلِيظٌ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِالْقَسَامَةِ تَغْلِيظًا لِحُكْمِ الدِّمَاءِ ، وَفِي كَيْفِيَّةِ تَغْلِيظِهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَقَاوِيلِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تُغَلَّظُ فِي النَّفْسِ وَلَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إِذَا سَقَطَتِ الْقَسَّامَةُ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَالْمُسْتَحَقُّ فِيهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت