فهرس الكتاب

الصفحة 6053 من 8432

الْكَفَّارَةُ كَالْعَاقِلَةِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَجِبْ فِي جِنْسِهِ قَوَدٌ لَمْ يَجِبْ فِي جِنْسِهِ كَفَّارَةٌ كَالْإِمْسَاكِ . وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّهُ قَتْلٌ يُضْمَنُ بِالدِّيَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنُ بِالْكَفَّارَةِ ، كَالْمُبَاشَرَةِ . فَإِنْ مَنَعُوا أَنْ يَكُونَ مَقْتُولًا ، احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ: لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ دِيَةُ النَّفْسِ ، وَلَا يَكُونُ مُتْلِفًا لِلنَّفْسِ إِذْ لَا يَلْزَمُ دِيَةٌ إِلَّا فِي قَتْلٍ عَنْ مَقْتُولٍ ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَلْزَمُ بِمُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَ بِسَبَبِ الْقَتْلِ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ أَوْكَدُ مِنَ الدِّيَةِ ، فَلَمَّا وَجَبَتِ الدِّيَةُ كَانَ أَوْلَى أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَلْتَزِمُ الدِّيَةَ تَحَمُّلًا وَنِيَابَةً ، وَالْكَفَّارَةُ لَا يَدْخُلُهَا التَّحَمُّلُ وَلَا النِّيَابَةُ ؛ وَلِذَلِكَ تَحَمَّلَتِ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْخَطَأِ ، وَلَمْ تَتَحَمَّلْ كَفَّارَتَهُ وَإِنْ لَزِمَتْهُ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْإِمْسَاكِ ، فَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ الْإِمْسَاكَ لَمَّا لَمْ يُوجِبْ ضَمَانَ الدِّيَةِ لَمْ يُوجِبْ ضَمَانَ الْكَفَّارَةِ ، وَلَمَّا أَوْجَبَ السَّبَبُ ضَمَانَ الدِّيَةِ أَوْجَبَ ضَمَانَ الْكَفَّارَةِ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَقْتُولُ الْمَضْمُونُ: فَكُلُّ مَنْ ضُمِنَتْ نَفْسُهُ بِالْقَصَاصِ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وَحُرٍّ وَعَبْدٍ ، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إِلَّا بِقَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ ، وَلَا تَجِبْ بِقَتْلِ عَبْدٍ وَلَا كَافِرٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ بِقَتْلِ الْعَبْدِ وَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْكَافِرِ: احْتِجَاجًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [ النِّسَاءِ: 92 ] ، فَجَعَلَ الْإِيمَانَ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ في القتل ، فَلَمْ تَجِبْ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُخْتَصَّةٌ بِأَغْلَظِ الْحُرُمَاتِ ، وَكَذَلِكَ وَجَبَتْ فِي النَّفْسِ دُونَ الْأَطْرَافِ . وَأَطْرَافُ الْمُسْلِمِ أَغْلَظُ مِنْ نَفْسِ الْكَافِرِ فَكَانَتْ أَوْلَى بِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [ النِّسَاءِ: 92 ] ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الدِّيَةَ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الْمُعَاهِدِ ، كَمَا أَوْجِبَهَا فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ ، فَكَانَ أَوَّلُ الْآيَةِ فِي الْمُسْلِمِ وَآخِرُهَا فِي الْكَافِرِ: وَلِأَنَّهَا نَفْسٌ مَضْمُونَةٌ بِالدِّيَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ تُضْمَنَ بِالْكَفَّارَةِ كَالْمُسْلِمِ . وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ ضَعْفِ حُرْمَتِهِ فَرَاجِعٌ عَلَيْهِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ . ثُمَّ يُقَالُ: قَدْ أَثْبَتَتِ الذِّمَّةُ لَهُ حُرْمَةً فَلَا يُسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ عَدِمِهَا فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ ، كَمَا لَمْ يُسَوَّ بَيْنَهُمَا فِي سُقُوطِ الدِّيَةِ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقَاتِلُ الضَّامِنُ: فَكُلُّ قَاتِلٍ ضَمِنَ نَفْسَ مَقْتُولٍ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ؛ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ، عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا ، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، حُرًّا أَوْ عَبْدًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بالقتل: احْتِجَاجًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَا يَدْخُلُهَا التَّحَمُّلُ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ فَلَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت