فهرس الكتاب

الصفحة 6058 من 8432

وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ مَضْمُونٌ ، فَوَجَبَ أَنْ تُسْتَحَقَّ فِيهِ الْكَفَّارَةُ كَالْخَطَأِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ وَجَبَتْ بِقَتْلِ الْخَطَأِ وَجَبَتْ بِقَتْلِ الْعَمْدِ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْخَاطِئِ مَعَ عَدَمِ الْمَأْثَمِ كَانَ وُجُوبُهَا عَلَى الْعَامِدِ مَعَ الْمَأْثَمِ حَقًّا في القتل ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ الْبَقَرَةِ: 185 ] ، فَلَمَّا أُوجِبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُفْطِرِ مَعْذُورًا بِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ ، كَانَ وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ أَحَقَّ ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: الْقَتْلُ كَفَّارَةٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ ، أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى وُجُوبِهَا لَا تَسْقُطُ بِالْقَوَدِ: لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ تَسْقُطْ بِتَأْدِيَةِ حَقِّ الْآدَمِيِّ ، كَمَا لَمْ تَسْقُطْ بِأَدَاءِ الدِّيَةِ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَكَتِ الْجَمَاعَةُ فِي قَتْلِ نَفْسٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ، فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الدِّيَةِ ، فَلَا يَلْزَمُهُمْ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَا يَشْتَرِكُونَ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ . فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا اشْتَرَكُوا فِي الْكَفَّارَةِ كَمَا اشْتَرَكُوا فِي الدِّيَةِ ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِكُمْ عَنِ الشَّافِعِيِّ ؟ قِيلَ: الْحَاكِي لَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ غَالِطٌ ، لَمْ يُعْرَفْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ ، وَلَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَنُصُوصُهُ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ بِخِلَافِهِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدِّيَةَ تَتَبَعَّضُ ، فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِيهَا ، وَالْكَفَّارَةَ لَا تَتَبَعَّضُ ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاكُهُمْ فِيهَا . وَالثَّانِي: أَنَّ الدِّيَةَ بَدَلٌ مِنَ النَّفْسِ ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ فَلَمْ يَلْزَمْ فِيهَا إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَالْكَفَّارَةُ لِتَكْفِيرِ الْقَتْلِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ ، فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ . وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ دَلِيلٌ عَلَى عُثْمَانَ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُ الْكَفَّارَةِ في القتل عَلَى كُلِّ قَاتِلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فِي كُلِّ مَقْتُولٍ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ، فَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا عَلَى الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ ، فَقَالَ: وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [ النِّسَاءِ: 92 ] ، فَقَدَّمَ عِتْقَ الرَّقَبَةِ ، وَشَرَطَ فِيهَا الْإِيمَانَ ، فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا: لِأَنَّهُ شَرَطَ إِيمَانَهَا فِي عِتْقِهَا عَنْ قَتْلِ الْكَافِرِ ، فَكَانَ إِيمَانُهَا فِي عِتْقِهَا عَنْ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ أَوْلَى . فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الرَّقَبَةَ فَاضِلَةً عَنْ كِفَايَتِهِ عَلَى الْأَبَدِ ، سَقَطَ عَنْهُ التَّكْفِيرُ بِالْعِتْقِ ، وَكَفَّرَ بِصِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ . فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ فَفِيهِ قَوْلَانِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت