فهرس الكتاب

الصفحة 6084 من 8432

الْحَقَائِقِ وَمَا أَدَّى إِلَى هَذَا فَهُوَ مَدْفُوعٌ عَقْلًا وَشَرْعًا . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لِلسِّحْرِ حَقِيقَةً وَتَأْثِيرًا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْآيَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعَ اخْتِلَافِ مَا تَضَمَّنَهَا مِنَ التَّأْوِيلِ ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ لَأَبَانَ فَسَادَهُ وَلَذَكَرَ بُطْلَانَهُ ، وَلَمَا كَانَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ مُوقِعٌ ، وَفِي هَذَا رَدٌّ لِمَا نَطَقَ بِهِ التَّنْزِيلُ ، فَكَانَ مَدْفُوعًا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [ الْفَلَقِ: 4 ] . وَالنَّفَّاثَاتُ السَّوَاحِرُ ، فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ ، يَنْفُثْنَ فِي عُقَدِ الْخَيْطِ لِلسِّحْرِ . رَوَى الْحَسَنُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مِنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلسِّحْرِ تَأْثِيرٌ لَمَا أُمِرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِ ، وَلَكَانَ السِّحْرُ كَغَيْرِهِ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَكَى شَكْوَى شَدِيدَةً ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَالنَّائِمِ وَالْيَقِظَانِ إِذَا مَلَكَانِ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَا شَكْوَاهُ ؟ فَقَالَ: مَطْبُوبٌ - أَيْ مَسْحُورٌ ، وَالطِّبُّ السِّحْرُ - قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ الْيَهُودِيُّ ، وَطَرَحَهُ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ تَحْتَ صَخْرَةٍ فِيهَا . فَبَعْثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا وَتَرًا فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ عُقْدَةً ، فَأَمَرَ بِحَلِّ الْعُقَدِ ، فَكَانَ كُلَّمَا حَلَّ عُقْدَةً وَجَدَ رَاحَةً حَتَّى حُلَّتِ الْعُقَدُ كُلُّهَا ، فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ . فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ الْمُعَوِّذَتَانِ وَهَمَّا إِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً بِعَدَدِ الْعُقَدِ ، وَأُمِرَ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِهِمَا ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى تَخْتَلِفُ أَلْفَاظُهُ وَتَتَّفِقُ مَعَانِيهِ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَثَ أَيَّامًا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ ، فَاسْتَيْقَظَ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَالَ: يَا عَائِشَةُ ، قَدْ أَفْتَانِي رَبِّي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ ، أَتَانِي رَجُلَانِ فِي الْمَنَامِ . . . وَذَكَرَتْ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ . وَإِذَا أَثَّرَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ فَعَلَ ، وَأَثَّرَ فِيهِ حِينَ نَشِطَ مَعَ مَا عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يُؤَثِّرَ فِي غَيْرِهِ . فَإِنْ قِيلَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُومٌ مِنَ السِّحْرِ لِمَا فِي اسْتِمْرَارِهِ مِنْ خَلَلِ الْعَقْلِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ قَالَ فِي رَسُولِهِ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [ الْفَرْقَانِ: 8 ] ، قِيلَ: عِصْمَةُ الرَّسُولِ مُخْتَصَّةٌ بِعَقْلِهِ وَدِينِهِ ، وَهُوَ فِي الْمَرَضِ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ ، وَقَدْ سَمَّ يَهُودُ خَيْبَرَ ذِرَاعًا مَشْوِيَّةً ، وَقُدِّمَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَكَلَ مِنْهَا وَمَرِضَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ، فَكَانَ يَقُولُ: مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَادُّنِي ، فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي فَكَانَ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ . وَلَمَّا أَجْرَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ حِينَ قَرَأَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [ النَّجْمِ: 19 ، 20 ] ، تِلْكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت