فهرس الكتاب

الصفحة 6115 من 8432

وَيَصِيرُونَ بِهَذَا الْأَمَانِ آمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَأَهْلِ الْعَدْلِ: لِعُمُومِهِ وَصِحَّتِهِ ، مَا لَمْ يُقَاتِلُونَا . فَإِنْ قَاتَلُونَا صَارُوا كَأَهْلِ الْعَهْدِ الْمُتَقَدِّمِ إِذَا قَاتَلُوا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ . وَإِنْ كَانَ عَقْدُ الْأَمَانِ لَهُمْ مَشْرُوطًا بِقِتَالِهِمْ مَعَهُمْ ، كَانَ هَذَا الْأَمَانُ بَاطِلًا: لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا بَطَلَ عَقْدُ الْأَمَانِ لَهُمْ بِقِتَالِنَا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَى قِتَالِنَا . وَالثَّانِي: أَنَّ عَقْدَ الْأَمَانِ يَقْتَضِي أَنْ نُؤَمِّنَهُمْ وَنَأْمَنَهُمْ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نُؤَمِّنَهُمْ وَلَا نَأْمَنَهُمْ . وَإِذَا بَطَلَ الْأَمَانُ بِمَا ذَكَرْنَا سَقَطَ حُكْمُهُ فِي أَهْلِ الْعَدْلِ ، وَلَزِمَ حُكْمُهُ فِي أَهْلِ الْبَغْيِ اعْتِبَارًا بِالشَّرْطِ فِي حَقِّهِمْ ، وَإِنْ بَطَلَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ . وَجَازَ لِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ وَسَبْيُهُمْ ، وَقَتْلُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ ، كَمَا يُقْتَلُونَ وَيُقَاتَلُونَ فِي جِهَادِهِمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ . وَلَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ الْبَغْيِ قَتْلُهُمْ وَلَا اسْتِرْقَاقُهُمْ ، وَإِنْ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ أَمَانِهِمْ لِلُزُومِهِ فِي الْخُصُوصِ وَإِنْ بَطَلَ فِي الْعُمُومِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَلَوْ كَانَ لَهُمْ أَمَانٌ فَقَاتَلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ ، كَانَ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ . إِذَا كَانَ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ بِأَمَانٍ مُتَقَدِّمٍ ، فَاسْتَعَانَ بِهِمْ أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى قِتَالِنَا ، كَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ إِذَا قَاتَلُونَا: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [ الْأَنْفَالِ: 58 ] . فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ بِنَقْضِهِ إِذَا خِفْنَاهُمْ ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يُنْقَضَ بِقِتَالِهِمْ . وَلِأَنَّ إِعْطَاءَ الْعَهْدِ لَهُمْ إِنَّمَا كَانَ لِمَصْلَحَتِنَا لَا لِمَصْلَحَتِهِمْ ، وَكَذَلِكَ إِذَا سَأَلُوا الْعَهْدَ لَمْ يَلْزَمْ إِجَابَتُهُمْ إِلَيْهِ ، إِلَّا إِذَا رَأَى الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ حَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُعَاهِدَهُمْ ، فَإِذَا قَاتَلُوا زَالَتِ الْمَصْلَحَةُ فَبَطَلَ الْعَهْدُ عُمُومًا ، وَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِ الْبَغْيِ خُصُوصًا . وَجَازَ لَنَا قَتْلُهُمْ وَسَبْيُهُمْ ، وَقِتَالُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ . فَإِنْ أَسْلَمُوا: لَمْ يُؤْخَذُوا بِمَا اسْتَهْلَكُوا مِنْ دَمٍ وَلَا مَالٍ كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَبِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْيِ . فَإِنْ قَالُوا: لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ قِتَالَنَا مَعَهُمْ مُبْطِلٌ لِعَهْدِنَا مَعَكُمْ . لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ فِي بَقَاءِ الْعَهْدِ مَعَهُمْ: لِأَنَّ الْأَمَانَ هُوَ الْكَفُّ وَالْمُوَادَعَةُ ، فَضَعُفَ مَا ادَّعَوْهُ مِنَ الْجَهَالَةِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت