فهرس الكتاب

الصفحة 6117 من 8432

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الذِّمَّةَ مُؤَبَّدَةٌ وَالْعَهْدَ مُقَدَّرٌ بِمُدَّةٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ الذِّمَّةَ تُوجِبُ أَنْ نَكُفَّ عَنْهُمْ أَنْفُسَنَا وَغَيْرَنَا ، وَالْعَهْدَ لَا يُوجِبُ أَنْ نَكُفَّ عَنْهُمْ غَيْرَنَا ، مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ . فَعَلَى هَذَا: يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمْ مُقْبِلِينَ وَنَكُفَّ عَنْهُمْ مُدْبِرِينَ كَأَهْلِ الْبَغْيِ ، لَكِنْ مَا أَصَابُوهُ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ يُؤْخَذُونَ بِغُرْمِهِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ أَهْلُ الْبَغْيِ بِغُرْمِهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: لِأَنَّ قِتَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ بِتَأْوِيلٍ ، وَقِتَالَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَإِنْ أَتَى أَحَدُهُمْ تَائِبًا لَمْ يُقَصَّ مِنْهُ: لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُحَرَّمُ الدَّمِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي مُرَادِهِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا مَنِ اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ بِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، إِذَا أَتْلَفُوا فِي حَرْبِنَا دِمَاءً وَأَمْوَالًا ، ثُمَّ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ وَأَسْلَمُوا ، لَمْ يُؤْخَذُوا بِغُرْمِهِ إِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ . وَجُعِلَ الْقِتَالُ نَقْضًا لِذِمَّتِهِمْ ، فَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ نَقْضًا لَمْ يَسْقُطِ الْغُرْمُ ، وَلَا يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الْبُغَاةِ: لِأَنَّهُ عَلَّلَ فِي سُقُوطِ الْغُرْمِ بِمَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ فِي سُقُوطِهِ عَنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَهُوَ التَّوْبَةُ: لِأَنَّ عِلَّةَ سُقُوطِهِ عَنْ أَهْلِ الْبَغْيِ هُوَ التَّأْوِيلُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا أَهْلَ الْبَغْيِ: لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ أَفْصَحَ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأُمِّ ، وَتَكُونُ التَّوْبَةُ مَحْمُولَةً عَلَى إِظْهَارِ الطَّاعَةِ وَوُجُودِ الْقُدْرَةِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ غُرْمُ مَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ ، عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَقَالَ لِي قَائِلٌ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ أَرَادَ دَمَ رَجُلٍ أَوْ مَالَهُ أَوْ حَرِيمَهُ ؟ قُلْتُ: يُقَاتِلُهُ ، وَإِنْ أَتَى الْقَتْلُ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إِلَّا بِذَلِكَ ، وَرُوِيَ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ ، وَزِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ ، وَقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ قُلْتُ: هُوَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ ، وَمَعْنَاهُ إِذَا أَتَى وَاحِدَةً مِنَ الثَّلَاثِ حَلَّ دَمُهُ ، فَمَعْنَاهُ كَانَ رَجُلًا زَنَى مُحْصَنًا ثُمَّ تَرَكَ الزِّنَى وَتَابَ مِنْهُ وَهَرَبَ ، فَقُدِرَ عَلَيْهِ ، قُتِلَ رَجْمًا . أَوْ قَتَلَ عَمْدًا وَتَرَكَ الْقَتْلَ وَتَابَ مِنْهُ وَهَرَبَ ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِ قُتِلَ قَوَدًا . وَإِذَا كَفَرَ ثُمَّ تَابَ ، فَارَقَهُ اسْمُ الْكُفْرِ . وَهَذَانِ لَا يُفَارِقُهُمَا اسْمُ الزِّنَى وَالْقَتْلِ وَلَوْ تَابَا وَهَرَبَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا سُؤَالٌ اعْتَرَضَ بِهِ عَلَى الشَّافِعِيِّ مَنْ مَنَعَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ: لِأَنَّ قِتَالَهُمْ مُفْضٍ إِلَى قَتْلِهِمْ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحُلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت