فهرس الكتاب

الصفحة 6135 من 8432

فَأَمَّا إِنِ اضْطَرَّ أَهْلُ الْعَدْلِ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِدَوَابِّهِمْ وَسِلَاحِهِمْ البغاة عِنْدَ خَوْفِ الِاصْطِلَامِ لِيَنْجُوا عَلَى دَوَابِّهِمْ هَرَبًا مِنْهُمْ ، وَيُقَاتِلُوهُمْ بِسِلَاحِهِمْ دَفْعًا لَهُمْ: جَازَ وَلَمْ يَحْرُمْ: لِأَنَّ حَالَ الضَّرُورَةِ يُخَالِفُ حَالَ الِاخْتِيَارَ ، كَمَا يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامَ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْكُلَهُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَيَجُوزُ أَمَانُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَيْنِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ وَالْبَغْيِ ، فَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أمانه لأهل الحرب والبغي فَإِنْ كَانَ يُقَاتِلُ جَازَ أَمَانُهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ ، قُلْتُ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ يُقَاتِلُ أَوْ لَا يُقَاتِلُ ؟ قَالَ: قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ قُلْتُ: فَإِنْ قُلْتَ ذَلِكَ عَلَى الْأَحْرَارِ فَقَدْ أَجَزْتَ أَمَانَ عَبْدٍ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَقَدْ رَدَدْتَ أَمَانَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُقَاتِلُ . قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا ؟ قُلْتُ: وَيَلْزَمُكَ فِي أَصْلِ مَذْهَبِكَ أَنْ لَا تُجِيزَ أَمَانَ امْرَأَةٍ وَلَا زَمِنٍ: لِأَنَّهُمَا لَا يُقَاتِلَانِ وَأَنْتَ تُجِيزُ أَمَانَهُمَا . ( قَالَ ) : فَأَذْهَبُ إِلَى الدِّيَةِ ، فَأَقُولُ دِيَةُ الْعَبْدِ لَا تُكَافِئُ دِيَةَ الْحُرِّ . قُلْتُ: فَهَذَا أَبْعَدُ لَكَ مِنَ الصَّوَابِ . ( قَالَ ) : وَمِنْ أَيْنَ ؟ قُلْتُ: دِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ وَأَنْتَ تُجِيزُ أَمَانَهَا ، وَدِيَةُ بَعْضِ الْعَبِيدِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ الْمَرْأَةِ وَلَا تُجِيزُ أَمَانَهُ ، وَقَدْ تَكُونُ دِيَةُ عَبْدٍ لَا يُقَاتِلُ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةِ عَبْدٍ يُقَاتِلُ ، فَلَا تُجِيزُ أَمَانَهُ ، فَقَدْ تَرَكْتَ أَصْلَ مَذْهَبِكَ . ( قَالَ ) : فَإِنْ قُلْتَ إِنَّمَا عُنِيَ مُكَافَأَةُ الدِّمَاءِ فِي الْقَوَدِ ، قُلْتُ: فَأَنْتَ تُقِيدُ بِالْعَبْدِ الَّذِي لَا يَسْوَى عَشَرَةَ دَنَانِيرَ الْحُرَّ الَّذِي دِيَتُهُ أَلْفُ دِينَارٍ ، كَانَ الْعَبْدُ يُحْسِنُ قِتَالًا أَوْ لَا يُحْسِنُهُ . قَالَ: إِنِّي لَأَفْعَلُ وَمَا هُوَ عَلَى الْقَوَدِ ، قُلْتُ: وَلَا عَلَى الدِّيَةِ وَلَا عَلَى الْقِتَالِ . قَالَ: فَعَلَامَ هُوَ ؟ قُلْتُ: عَلَى اسْمِ الْإِسْلَامِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ سَوَّى بَيْنِ أَمَانِ الرَّجُلِ وَأَمَانِ الْمَرْأَةِ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ أَمَانَ أَمِّ هَانِئٍ عَامَ الْفَتْحِ ، وَقَالَ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أَمَّ هَانِئٍ . وَأَمَّا أَمَانُ الْعَبْدِ: فَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ جَائِزٌ كَأَمَانِ الْحُرِّ ، سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ أَمَانُهُ إِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ ، وَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ ، اسْتِدْلَالًا بِمَا حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ وَأَجَابَهُ عَلَيْهِ . وَهِذِهِ مَسْأَلَةٌ تَأْتِي فِي كِتَابِ السِّيَرِ ، وَتُسْتَوْفَى فِيهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت