فهرس الكتاب

الصفحة 6137 من 8432

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُحَارَبِينَ امْتَنَعُوا فِي مَدِينَةٍ حَتَّى لَا يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمٌ ، فَقَطَعُوا الطَّرِيقَ ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ ، وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ ، وَأَتَوُا الْحُدُودَ ؟ قَالَ: يُقَامُ هَذَا كُلُّهُ عَلَيْهِمْ . قُلْتُ: فَهَذَا تَرْكُ مَعْنَاكَ . وَقُلْتُ لَهُ: أَيَكُونُ عَلَى الْمَدَنِيِّينَ قَوْلُهُمْ: لَا يَرِثُ قَاتِلُ عَمْدٍ وَيَرِثُ قَاتِلُ خَطَأٍ إِلَّا مِنَ الدِّيَةِ ؟ فَقُلْتُ: لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ فِي الْوَجْهَيْنِ: لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْمُ قَاتِلٍ ؛ فَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ بِهَذَا فِي الْقَاتِلِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْعَدْلِ: لِأَنَّ كُلًّا يَلْزَمُهُ اسْمُ قَاتِلٍ ، وَأَنْتَ تُسَوِّي بَيْنَهُمَا فَلَا تُقِيدُ أَحَدًا بِصَاحِبِهِ ؟"قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا أَرَادَ بِهِ أَبَا حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا فَعَلَ أَهْلُ الْبَغْيِ فِي دَارِهِمْ مَا يُوجِبُ حُدُودًا أَوْ حُقُوقًا ، ثُمَّ ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ ، لَمْ تُقَمْ عَلَيْهِمُ الْحُدُودُ ، وَلَمْ تُسْتَوْفَ مِنْهُمُ الْحُقُوقُ . وَكَذَلِكَ يَقُولُ فِي أَهْلِ الْعَدْلِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي دَارِ أَهْلِ الْبَغْيِ مَا يُوجِبُ حُدُودًا أَوْ حُقُوقًا ، لَمْ يُؤَاخَذُوا بِمَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ حُقُوقٍ ، وَارْتَكَبُوهُ مِنْ حُدُودٍ . وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ ، أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا فَعَلُوهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَا يُوجِبُ حُدُودًا أَوْ حُقُوقًا كَانَ هَدَرًا ، فَجَمَعَ بَيْنَ الدَّارِينَ: لِخُرُوجِهَا عَنْ يَدِ الْإِمَامِ وَتَدْبِيرِهِ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ دَارَ الْحَرْبِ يَسْقُطُ جَرَيَانُ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِيهَا عَلَى أَهْلِهَا ، فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ حَدٌّ ، وَلَا يَسْتَوِ مِنْهُمْ حَقٌّ ، وَلَا يَسْقُطُ جَرَيَانُ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَنْ دَخَلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ . وَدَارُ الْبَغْيِ لَا تَمْنَعُ مِنْ جَرَيَانِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِيهَا عَلَى أَهْلِهَا وَغَيْرِ أَهْلِهَا: لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ مَا فِيهَا ، وَأَبَاحَتْ دَارُ الشِّرْكِ مَا فِيهَا . فَفَرَّقَ بَيْنَ دَارِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ دَارِ الشِّرْكِ فِي الْحَظْرِ ، فَلَمْ يَجُزِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِبَاحَةِ . وَلِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ جَارٍ عَلَى أَهْلِهِ أَيْنَ كَانُوا ، كَمَا أَنَّ حُكْمَ الشِّرْكِ جَارٍ عَلَى أَهْلِهِ حَيْثُ وُجِدُوا . وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ تُغَيِّرَ الدَّارُ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ ، لَتَغَيَّرَتْ فِي الْعِبَادَاتِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، فَيَلْتَزِمُونَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَلْتَزِمُونَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ . فَلَمَّا بَطَلَ هَذَا ، وَاسْتَوَى إِلْزَامُهُمْ لَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت