فهرس الكتاب

الصفحة 6223 من 8432

وَاحِدٍ مِنَ الشُّهُودِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ تَأْخِيرُ غَيْرِهِ عَنِ الشَّهَادَةِ مُوجِبًا لِفِسْقِهِ ، وَلِأَنَّ حَدَّ الشُّهُودِ - إِذَا لَمْ يَكْمُلُوا - مُفْضٍ إِلَى كَتْمِ الشَّهَادَةِ: خَوْفًا أَنْ يُحُدُّوا إِنْ لَمْ يُكْمِلُوا ، فَتُكْتَمُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تُؤَدَّى ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [ الْبَقَرَةِ: 283 ] ، فَهَذَا تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِيهِمْ إِذَا نَقَصَ عَدَدُهُمْ ، وَكَمُلَتْ فِي الْعَدَالَةِ أَوْصَافُهُمْ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا كَمُلَ عَدَدُهُمْ وَنَقَصَتْ أَوْصَافُهُمْ فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا أَرْبَعَةٌ فَكَانُوا عَبِيدًا ، أَوْ فُسَّاقًا ، أَوْ أَعْدَاءً ، لَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ شَهَادَتُهُمْ ، وَلَمْ يُجْلَدْ بِهِمُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي رَدِّهِمْ بِنُقْصَانِ الصِّفَةِ مَعَ كَمَالِ الْعَدَدِ ، هَلْ يَجْرِي مَجْرَى رَدِّهِمْ بِنُقْصَانِ الْعَدَدِ مَعَ كَمَالِ الصِّفَةِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ ، وَأَنَّ كُلَّ مَا مَنَعَ مِنَ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ مِنْ نُقْصَانِ عَدَدٍ أَوْ نُقْصَانِ صِفَةٍ ، هَلْ يَصِيرُ الشُّهُودُ بِهِ قَذَفَةً يُحَدُّونَ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَمْ تُوجِبِ الْحُكْمَ بِهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا مُخْتَلَفَانِ فَلَا يَصِيرُوا بِنُقْصَانِ الصِّفَةِ مَعَ كَمَالِ الْعَدَدِ قَذَفَةً ، وَلَا يُحَدُّونَ ، وَإِنْ صَارُوا بِنُقْصَانِ الْعَدَدِ مَعَ كَمَالِ الصِّفَةِ قَذَفَةً وَحُدُّوا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، لِأَنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ نَصٌّ ، وَنُقْصَانُ الصِّفَةِ اجْتِهَادٌ ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الرَّدُّ بِنُقْصَانِ الصِّفَةِ أَمْرًا ظَاهِرًا كَالرِّقِّ وَالْفِسْقِ الظَّاهِرِ ، جَرَى مَجْرَى نُقْصَانِ الْعَدَدِ ، هَلْ يَصِيرُونَ قَذَفَةً يُحَدُّونَ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . فَإِنْ كَانَ نُقْصَانُ الصِّفَةِ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ كَالْفِسْقِ الْخَفِيِّ وَالْعَدَاوَةِ الْخَفِيَّةِ ، كَانَ مُخَالِفًا لِنُقْصَانِ الْعَدَدِ فَلَمْ يَصِيرُوا بِهِ قَذَفَةً ، وَلَمْ يُحَدُّوا قَوْلًا وَاحِدًا: لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ كَالنَّصِّ تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ قَبْلَ سَمَاعِهَا ، وَالْخَفِيُّ مِنْهُ اجْتِهَادٌ تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ بَعْدَ سَمَاعِهَا فَافْتَرَقَا .

فَصْلٌ: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ فِي نُقْصَانِ الْعَدَدِ وَنُقْصَانِ الصِّفَةِ فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكْمُلَ عَدَدُهُمْ وَتُكْمُلَ صِفَةُ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ ، كَأَرْبَعَةٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَفِيهِمْ عَبْدٌ ، أَوْ فَاسِقٌ وَبَاقِيهِمْ عُدُولٌ ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ فَهُوَ أَوْلَى ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مُوجِبٌ الْحَدَّ فَفِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ ، أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى جَمِيعِهِمْ: لِقُوَّةِ الشَّهَادَةِ بِكَمَالِ الْعَدَدِ وَبِكَمَالِ صِفَةِ الْأَكْثَرِينَ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُحَدُّ جَمِيعُهُمْ لِرَدِّ شَهَادَتِهِمْ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُحَدُّ مَنْ نَقَصَتْ صِفَتُهُ بِالرِّقِّ وَالْفِسْقِ ، وَلَا يُحَدُّ مَنْ كَمُلَتْ صِفَتُهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت