فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا عُلِّقَ الْقَطْعُ بِهِ فِي الْجَرِينِ: لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِيهِ يَابِسًا مُدَّخَرًا . فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْجَرِينِ رَطْبًا وَيَابِسًا وَلَمْ يُفَرِّقْ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَوْجَبَ الْقَطْعَ فِي الْجَرِينِ عَمَّا نَفَاهُ عَنْهُ قَبْلَ الْحِرْزِ ، وَهُوَ قَبْلَ الْجَرِينِ رَطْبٌ ، فَكَذَلِكَ فِي الْجَرِينِ ، وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، رَوَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ أُتْرُجَّةً عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُوِّمَتْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ . وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ . وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ نَوْعُ مَالٍ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْقَطْعَ بِسَرِقَتِهِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَلَا يُنْتَقَضُ بِالْعَبْدِ: لِأَنَّهُ يُقْطَعُ سَارِقُهُ إِذَا سَرَقَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ نَائِمٌ ، وَلِأَنَّ مَا قُطِعَ فِي يَابِسَةٍ قُطِعَ فِي رُطَبِهِ كَالْغَزِّ وَالثِّيَابِ ، وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ فَرَّقَ بَيْنَ رُطَبِ الْفَوَاكِهِ وَيَابِسِهَا فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ ، وَسَوَّى بَيْنَ طَرِيِّ اللَّحْمِ وَقَدِيدِهِ ، وَطَرِيِّ السَّمَكِ وَمَمْلُوحِهِ فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ ، وَلِأَنَّ الطَّعَامَ الرَّطْبَ أَلَذُّ وَأَشْهَى ، وَالنُّفُوسَ إِلَى تَنَاوُلِهِ أَدْعَى فَكَانَ بِالْقَطْعِ أَوْلَى . فَأَمَّا قَوْلُهُ:"لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ"فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ: لِأَنَّ ثِمَارَهُمْ كَانَتْ بَارِزَةً ، وَلِذَلِكَ قَالَ:"فَإِذَا آوَاهُ الْجَرِينُ فَفِيهِ الْقَطْعُ". وَحَدِيثُ الْحَسَنِ مُرْسَلٌ ، وَيُحْمَلُ - لَوْ صَحَّ - عَلَى الطَّعَامِ الرَّطْبِ إِذَا كَانَ فِي سُنْبُلِهِ غَيْرَ مُحْرَزٍ كَالثَّمَرِ: لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَافَقَ عَلَى الْقَطْعِ فِي الْحِنْطَةِ إِذَا كَانَتْ مُحْرَزَةً . وَخَبَرُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ تَافِهَ الْمِقْدَارِ: لِقِلَّتِهِ لَا لِجِنْسِهِ: لِأَنَّ الطَّعَامَ الرَّطْبَ لَيْسَ بِحَقِيرٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلتَّلَفِ ، فَفِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلِاسْتِعْمَالِ دُونَ الْبَذْلِ ، كَمَا يُسْتَعْمَلُ الطَّعَامُ الْيَابِسُ ، وَلَيْسَ قِلَّةُ بَقَائِهِ مُوجِبًا لِسُقُوطِ الْقَطْعِ فِيهِ ، كَالشَّاةِ الْمَرِيضَةِ يَجِبُ الْقَطْعُ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَطُلْ بَقَاؤُهَا . وَالثَّانِي: أَنَّهُ قِيَاسٌ جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ الْمُحْرَزِ وَغَيْرِ الْمُحْرَزِ وَهُمَا مُفْتَرِقَانِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ: لِأَنَّ الْحِرْزَ شَرْطٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .