فهرس الكتاب
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي سِنِّهِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِغَيْرِهِ . وَأَهْلُ الشِّرْكِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي سِنِّهِمْ ، فَاحْتَجْنَا إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْإِنْبَاتِ عَلَى بُلُوغِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُسْلِمَ تَخِفُّ أَحْكَامُهُ بِالْبُلُوغِ ، فَاتُّهِمَ فِي مُعَالَجَةِ الْإِنْبَاتِ ، وَالْمُشْرِكُ تَتَغَلَّظْ أَحْكَامُهُ بِالْبُلُوغِ فَلَمْ يُتَّهَمْ فِي مُعَالَجَةِ الْإِنْبَاتِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَجُمْلَةُ الْحِرْزِ: أَنْ يُنْظَرَ إِلَى الْمَسْرُوقِ فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي سُرِقَ مِنْهُ يَنْسُبُهُ الْعَامَّةُ إِلَى أَنَّهُ حِرْزٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، قُطِعَ إِذَا أَخْرَجَهَا مِنَ الْحِرْزِ . وَإِنْ لَمْ يَنْسُبْهُ الْعَامَّةُ إِلَى أَنَّهُ حِرْزٌ لَمْ يُقْطَعْ . وَرِدَاءُ صَفْوَانَ كَانَ مُحْرَزًا بِاضْطِجَاعِهِ عَلَيْهِ ، فَقَطَعَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَارِقَ رِدَائِهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّانِي فِي الْقَطْعِ: وَهُوَ الْحِرْزُ . فَلَا يَجِبُ الْقَطْعِ إِلَّا فِي السَّرِقَةِ مِنْ حِرْزٍ ، وَالسَّرِقَةُ أَخْذُ الشَّيْءِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَاءِ ، فَإِنْ جَاهَرَ بِأَخْذِهِ غَصْبًا أَوْ نَهْبًا وَاخْتِلَاسًا ، فَلَيْسَ بِسَارِقٍ وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْحِرْزُ تعريفه: فَهُوَ مَا يَصِيرُ الْمَالُ بِهِ مَحْفُوظًا عَلَى مَا سَنَصِفُهُ . فَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي غَيْرِ حِرْزٍ حد السرقة فَلَا قَطْعَ فِيهِ . فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذَانِ الشَّرْطَانِ مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَدْرِ النِّصَابِ وَجَبَ الْقَطْعُ حِينَئِذٍ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ . وَقَالَ دَاوُدُ: لَا اعْتِبَارَ بِالْحِرْزِ ، وَالْقَطْعُ وَاجِبٌ بِالسَّرِقَةِ مِنْ حِرْزٍ وَغَيْرِ حِرْزٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا اعْتِبَارَ بِالسَّرِقَةِ وَالِاسْتِخْفَاءِ ، وَالْقَطْعُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُجَاهِرِ بِأَخْذِ الْمَالِ بِغَصْبٍ أَوِ انْتِهَابٍ أَوِ اخْتِلَاسٍ ، حَتَّى لَوْ خَانَ أَوْ جَحَدَ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ . وَاسْتَدَلَّ دَاوُدُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [ الْمَائِدَةِ: 38 ] ، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ . وَاسْتَدَلَّ أَحْمَدُ بِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ وَتَجْحَدُ ، فَقَطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالدَّلِيلُ عَلَى دَاوُدَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ فَأَسْقَطَ الْقَطْعَ فِيهِ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ ، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا آوَاهُ الْجَرِينُ فَفِيهِ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حِرْزًا بِهِ . وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَرِيسَةِ