فهرس الكتاب

الصفحة 6320 من 8432

بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ ، فَإِذَا سَرَقَ الْمُعَاهَدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَالًا فَإِنْ كَانَ مِنْ مُعَاهَدٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِغُرْمٍ وَلَا قَطْعٍ ، لَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ: دَارُ الْإِسْلَامِ تُوجِبُ التَّنَاصُفَ وَتَمْنَعُ التَّغَالُبَ ، فَإِنْ تَنَاصَفْتُمْ ، وَإِلَّا نَبَذْنَا إِلَيْكُمْ عَهْدَكُمْ . وَإِنْ سَرَقَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ ، وَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ بِغُرْمِ مَا سَرَقَ ، وَفِي وُجُوبِ قَطْعِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ هَاهُنَا ، وَفِي كِتَابِ الْأُمِّ ، وَنَقَلَهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ النَّقَّالُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ: لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَشْبَهَ حَدَّ الزِّنَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقْطَعُ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ الْقِصَاصُ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ ، وَلَزِمَهُ حَدُّ الْقَذْفِ حِفْظًا لِلْأَعْرَاضِ ، لَزِمَهُ قَطْعُ السَّرِقَةِ حِفْظًا لِلْأَمْوَالِ: لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ فَجَمَعَ بَيْنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ فِي التَّحْرِيمِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ جَمِيعُهَا فِي الِاسْتِيفَاءِ . فَصَارَ تَحْرِيرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَطْعِ السَّرِقَةِ ، أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا سَرَقَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ غَرِمَ وَقُطِعَ . وَالذِّمِّيَّ إِذَا سَرَقَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ أُغْرِمَ وَقُطِعَ ، وَإِذَا سَرَقَ مِنْ ذِمِّيٍّ غُرِّمَ ، وَفِي قَطْعِهِ قَوْلَانِ . وَالْمُعَاهَدُ إِذَا سَرَقَ مِنْ مُعَاهَدٍ لَمْ يُغَرَّمْ وَلَمْ يُقْطَعْ ، وَإِذَا سَرَقَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ غُرِّمَ ، وَفِي قَطْعِهِ قَوْلَانِ .

فَصْلٌ: إِذَا قُطِعَ فِي سَرِقَةِ مَالٍ ، ثُمَّ سَرَقَهُ ثَانِيَةً قُطِعَ ، وَكَذَلِكَ ثَالِثَةً وَرَابِعَةً ، سَوَاءً كَانَ مِنْ مَالِ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قُطِعَ فِي مَالٍ لَمْ يُقْطَعْ فِيهِ ثَانِيَةً ، إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ ، كَالْغَزْلِ إِذَا نُسِجَ ، وَالطَّعَامِ إِذَا طُحِنَ ، احْتِجَاجًا بِأَنَّ الْقَطْعَ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنٍ وَفِعْلٍ ، فَلَمَّا كَانَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ فِي عَيْنَيْنِ يُوجِبُ قَطْعًا وَاحِدًا ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلَانِ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ يُوجِبُ قَطْعًا وَاحِدًا ، وَلِأَنَّ قَطْعَ السَّرِقَةِ فِي حِرَاسَةِ الْأَمْوَالِ مُقَابِلٌ لِحَدِّ الْقَذْفِ فِي صِيَانَةِ الْأَعْرَاضِ ، ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَتَكَرَّرْ حَدُّ الْقَذْفِ فِي الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ قَطْعُ السَّرِقَةِ فِي الْمَالِ الْوَاحِدِ . وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّهُ حَدٌّ يَقِفُ اسْتِيفَاؤُهُ عَلَى مُطَالَبَةِ آدَمِيٍّ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ كَالْقَذْفِ . وَدَلِيلُنَا: مَعَ عُمُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: هُوَ أَنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ الْحَدَّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَكَرُّرُهُ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ كَتَكَرُّرِهِ فِي الْأَعْيَانِ الْمُخْتَلِفَةِ ، كَالزِّنَا يُحَدُّ إِذَا تَكَرَّرَ فِي الْوَاحِدِ كَمَا يُحَدُّ إِذَا تَكَرَّرَ فِي الْجَمَاعَةِ . فَإِنْ قِيلَ: مَحَلُّ الْحَدِّ فِي الزِّنَا مَوْجُودٌ ، فَجَازَ أَنْ يَتَكَرَّرَ ، وَمَحَلُّ الْقَطْعِ مَفْقُودٌ ، فَلَمْ يَتَكَرَّرْ . قِيلَ: هَذَا تَعْلِيلٌ يَبْطُلُ فِي الزِّنَا بِحَدِّ الْقَذْفِ: لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَوْجُودٌ وَلَا يَتَكَرَّرُ ، وَيَبْطُلُ فِي السَّرِقَةِ بِالْقَطْعِ فِي الْغَزْلِ إِذَا نُسِجَ ، فَإِنَّ مَحَلَّهُ مَفْقُودٌ وَقَطْعُهُ يَتَكَرَّرُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت