مَجْرَى نَفْسِهِ فَلَمْ يُقْطَعْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ فِي الْمَالِ يَجِبُ عِنْدَ الْأَخْذِ لَهُ وَالْمَأْخُوذِ مِنْهُ ، وَوَلَدُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ وَأَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ ، فَعَدَمَ فِيهِ مَعْنَى الْقَطْعِ فَسَقَطَ عَنْهُ . فَأَمَّا الِاقْتِصَاصُ مِنَ الْوَلَدِ بِالْوَالِدِ ، وَلَا يُقْطَعُ فِي مَالِ الْوَالِدِ . فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ شُبْهَةٌ فِي الْقَطْعِ ، وَلَيْسَ بِوُجُوبِهَا شُبْهَةٌ فِي الْقِصَاصِ ، فَافْتَرَقَا . وَإِنَّمَا لَمْ يُقْتَصَّ مِنَ الْوَالِدِ بِالْوَلَدِ: لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُ . وَاقْتُصَّ مِنَ الْوَلَدِ بِالْوَالِدِ: لِوُجُودِ التُّهْمَةِ فِيهِ . وَإِذَا لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي مَالِ الْآخَرِ ، لَمْ يُقْطَعْ عَبْدٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِذَا سَرَقَ مَالَ الْآخَرِ ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ يَدَ عَبْدِهِ كَيَدِهِ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا عَدَا الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ مِنْ ذَوِي الْأَنْسَابِ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَبَنِيهِمْ ، وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَبَنِيهِمْ ، فَيُقْطَعُونَ إِذَا سَرَقَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، سَوَاءٌ تَوَارَثُوا أَوْ كَانُوا مَحَارِمَ ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا كَالْأَجَانِبِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ إِذَا كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ: احْتِجَاجًا بِأَنَّهَا قَرَابَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا تَحْرِيمُ النِّكَاحِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ الْقَطْعُ بِهَا ، كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ . وَدَلِيلُنَا: أَنَّهَا قَرَابَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا رَدُّ الشَّهَادَةِ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا سُقُوطُ الْقَطْعِ كَغَيْرِ الْمَحَارِمِ مِنَ الْأَقَارِبِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ: فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فَسَادُهُ بِتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ ، يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ تَحْرِيمِ النَّسَبِ فِي حَظْرِ النِّكَاحِ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ . وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ بَعْضِيَّةً فَارَقَتْ مَا عَدَاهُمَا مِنَ الْأَنْسَابِ ، فَافْتَرَقَا فِي حُكْمِ الْقَطْعِ ، كَمَا افْتَرَقَا فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ ، وَافْتَرَقَا فِي الْقِصَاصِ ، وَافْتَرَقَا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عِنْدَنَا عَلَى الْعُمُومِ مَعَ اتِّفَاقِ الدِّينِ وَاخْتِلَافِهِ ، وَعِنْدَهُمْ يَفْتَرِقَانِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ، فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُوا نَفَقَةَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ مَعَ اتِّفَاقِ الدِّينِ وَمَعَ اخْتِلَافِهِ ، وَلَمْ يُوجِبُوا نَفَقَةَ مَنْ عَدَاهُمَا مِنْ مَحَارِمِ الْأَقَارِبِ إِلَّا مَعَ اتِّفَاقِ الدِّينِ ، وَأَسْقَطُوهَا مَعَ اخْتِلَافِهِ . فَكَانَ هَذَا الْفَرْقُ فِي النَّفَقَةِ وَالْقِصَاصِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ مَانِعًا مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا الشَّرِيكُ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْرِقَ مِنَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ: لِأَنَّ حَقَّهُ فِيهِ شُبْهَةٌ لَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ حِرْزُهُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا ، أَوْ مُخْتَصًّا بِالْمَسْرُوقِ مِنْهُ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَسْرِقَ مِنْ مَالٍ غَيْرِ مُشْتَرَكٍ يَخْتَصُّ بِالشَّرِيكِ دُونَهُ ، فَيُنْظَرُ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي حِرْزٍ مُشْتَرِكٍ بَيْنَهُمَا فَلَا قَطْعَ فِيهِ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ مِنْهُ . وَإِنْ كَانَ فِي حِرْزٍ