فهرس الكتاب

الصفحة 6343 من 8432

الْآيَةِ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ الْمَائِدَةِ: 34 ] ، وَهَذَا مِنْ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَفِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الْمَائِدَةِ: 33 ] ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: مَعْنَاهُ يُعَادُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَهَذَا قَوْلُ جُوَيْبِرٍ . وَالثَّانِي: يُخَالِفُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ . وَالثَّالِثُ: يُحَارِبُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَفِي قَوْلِهِ: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا [ الْمَائِدَةِ: 33 ] قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الْفَسَادَ فِعْلُ الْمَعَاصِي الَّذِي يَتَعَدَّى ضَرَرُهَا إِلَى غَيْرِ فَاعِلِهَا ، كَالزِّنَا وَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ . هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْفَسَادَ خَاصٌّ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَإِخَافَةِ السَّبِيلِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ: لِأَنَّ حُكْمَ تِلْكَ الْمَعَاصِي مُبَيَّنٌ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَعَاصِي .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُحَارِبِينَ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ ، وَمُخِيفِي السُّبُلِ الَّذِينَ يَعْتَرِضُونَ السَّابِلَةَ ، مُجَاهَرَةً وَمُحَارَبَةً ، فَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ وَيَقْتُلُونَ نُفُوسَهُمْ ، فَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ بِأَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ ، ذَكَرَهَا فِي الْآيَةِ فَقَالَ: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [ الْمَائِدَةِ: 33 ] فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ التيِ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عُقُوبَةً لَهُمْ ، هَلْ وَجَبَتْ عَلَى طَرِيقِ التَّخْيِيرِ فِي أَنْ يَفْعَلَ الْإِمَامُ مِنْهَا مَا رَآهُ صَلَاحًا ، أَوْ وَجَبَتْ عَلَى طَرِيقِ التَّرْتِيبِ عقوبة الحرابة ، فَتَكُونُ كُلُّ عُقُوبَةٍ مِنْهَا فِي مُقَابَلَةِ ذَنْبٍ لَا يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ ؟ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ وَدَاوُدُ فِي أَهْلِ الظَّاهِرِ: أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى طَرِيقِ التَّخْيِيرِ فِي أَنْ يَفْعَلَ الْإِمَامُ مِنْهَا مَا شَاءَ: لِقَوْلِهِ: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [ الْمَائِدَةِ: 33 ] وَ"أَوْ"تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ لِلتَّخْيِيرِ فِي الْأَوَامِرِ ، وَالشَّكِّ فِي الْأَخْبَارِ ، وَهَذَا أَمْرٌ فَكَانَتْ لِلتَّخْيِيرِ ، كَهِيَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ . وَالثَّانِي: قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى طَرِيقِ التَّرْتِيبِ: لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اخْتِلَافَ الْعُقُوبَاتِ تُوجِبُ اخْتِلَافَ أَسْبَابِهَا . وَالثَّانِي: أَنَّ التَّخْيِيرَ مُفْضٍ إِلَى أَنْ يُعَاقَبَ مَنْ قَلَّ جُرْمُهُ بِأَغْلَظِ الْعُقُوبَاتِ ، وَمَنْ كَثُرَ جُرْمُهُ بِأَخَفِّ الْعُقُوبَاتِ ، وَالتَّرْتِيبُ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّنَاقُضِ: لِأَنَّهُ يُعَاقَبُ فِي أَقَلِّ الْجُرْمِ بِأَخَفِّ الْعُقُوبَاتِ ، وَفِي كَثْرَةِ الْجُرْمِ بِأَغْلَظِهَا ، فَكَانَ أَوْلَى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت