فهرس الكتاب

الصفحة 6377 من 8432

وَهَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدٌ ، وَلَمْ يَرْوِهِ الشَّافِعِيُّ ، وَإِنْ أَشَارَ إِلَيْهِ . فَثَبَتَ أَنَّ الْقَتْلَ مَنْسُوخٌ ، فَهَذَا حُكْمُ الْخَمْرِ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْأَنْبِذَةُ الْمُسْكِرَةُ سِوَى الْخَمْرِ حكمها ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِجْرَاءِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ عَلَيْهَا . فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَفُقَهَاءُ الْحَرَمَيْنِ: إِلَى أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِذَةِ قَلِيلُهُ حَرَامٌ . وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ وَالنَّجَاسَةِ وَالْحَدِّ ، سَوَاءٌ كَانَ نَيِّئًا أَوْ مَطْبُوخًا ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ . وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ إِلَى إِبَاحَتِهِ ، فَأَبَاحَ بَعْضُهُمْ جَمِيعَ الْأَنْبِذَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَمَّا عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا لَمْ يَمَسَّهُ طَبْخٌ حكمه فَهُوَ الْخَمْرُ الَّذِي يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ فِي شُرْبِهِ ، فَإِنْ طُبِخَ فَذَهَبَ ثُلُثَاهُ حَلَّ ، وَلَا حَدَّ فِيهِ حَتَّى يُسْكِرَ ، وَإِنْ ذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِهِ فَهُوَ حَرَامٌ ، وَلَا حَدَّ فِيهِ حَتَّى يُسْكِرَ . وَمَا عُمِلَ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ حكمه ، فَجَمِيعُهُ حَلَالٌ ، طُبِخَ أَوْ لَمْ يُطْبَخْ ، أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ ، وَلَا حَدَّ فِيهِ حَتَّى يُسْكِرَ ، وَيَحْرُمُ مِنْهُ الْقَدَحُ الْمُسْكِرُ ، وَجَمِيعُ الْأَنْبِذَةِ عِنْدَهُ طَاهِرَةٌ ، وَإِنْ حَرُمَتْ سِوَى الْخَمْرِ ، وَلَا يَنْطَلِقُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا اسْمُ الْخَمْرِ ، وَلَا يُعَلَّلُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَصَارَ الْخِلَافُ مَعَهُ مُشْتَمِلًا عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: هَلْ يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ اسْمُ الْخَمْرِ ؟ عِنْدَنَا يَنْطَلِقُ وَعِنْدَهُ لَا يَنْطَلِقُ . وَالثَّانِي: هَلْ يَحْرُمُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا ؟ عِنْدَنَا يَحْرُمُ ، وَعِنْدَهُ لَا يَحْرُمُ . وَالثَّالِثُ: هَلْ تَنْجَسُ كَالْخَمْرِ ؟ عِنْدَنَا تَنْجَسُ ، وَعِنْدَهُ لَا تَنْجَسُ . وَالرَّابِعُ: هَلْ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الْحَدِّ بِالشُّرْبِ أَوْ بِالسُّكْرِ ؟ عِنْدَنَا بالشُّرْبِ ، وَعِنْدَهُ بِالسُّكْرِ . وَالْخَامِسُ: هَلْ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ مُعَلَّلٌ أَوْ غَيْرُ مُعَلَّلٍ ؟ عِنْدَنَا مُعَلَّلٌ وَعِنْدَهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ . وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى إِبَاحَةِ النَّبِيذِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ فِيهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ التَّفْصِيلِ: بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [ النَّحْلِ: 67 ] . والسَّكَرُ: هُوَ الْمُسْكِرُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةَ . فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى إِبَاحَتِهِ . وَبِمَا رَوَى أَبُو عَوْنٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت