فهرس الكتاب

الصفحة 6380 من 8432

وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَرِبَ أَحَدُكُمْ تِسْعَةَ أَقْدَاحٍ فَلَمْ يَسْكَرْ فَهُوَ حَلَالٌ ، وَإِنْ شَرِبَ الْعَاشِرَ فَسَكِرَ فَهُوَ حَرَامٌ . فَهَذَا مَا عَاضَدَ السُّنَّةَ مِنْ آثَارِ الصَّحَابَةِ ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ كَثِيرًا . فَأَمَّا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ الْمَعَانِي فَمِنْ وُجُوهٍ ، مِنْهَا: أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَنْبِذَةِ: لِأَمْرَيْنِ لُغَةً وَشَرْعًا: أَحَدُهُمَا: اخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدٍ بِاسْمٍ يَنْتَفِي عَنِ الْآخَرِ ، فَيُقَالُ لِعَصِيرِ الْعِنَبِ: خَمْرٌ ، وَلَيْسَ بِنَبِيذٍ . وَيُقَالُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ: نَبِيذٌ ، وَلَيْسَ بِخَمْرٍ . وَقَدْ قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ فِي شِعْرِهِ: دَعِ الْخَمْرَ يَشْرَبْهَا الْغُوَاةُ فَإِنَّنِي رَأَيْتُ أَخَاهَا مُجْزِيًا لِمَكَانِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا فَأَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيذَ غَيْرُ الْخَمْرِ ، وَهُوَ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ الْمُحْتَجِّ بِقَوْلِهِ فِي اللُّغَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى حُكْمُ الْخَمْرِ فِي النَّبِيذِ مِنْ تَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّهِ وَتَفْسِيقِ شَارِبِهِ ، انْتَفَى عَنْهُ اسْمُ الْخَمْرِ: لِأَنَّ مَا عَلِقَ بِالِاسْمِ مِنْ حُكْمٍ لَمْ يَزَلْ مَعَ مَوْجُودِ الِاسْمِ ، كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ إِذَا عَلِقَ بِعِلَّةٍ لَمْ يَزَلْ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ . وَمِنْهَا: أَنَّ تَحْرِيمَ الْأَنْبِذَةِ مَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ، وَمَا عَمَّ بِهِ الْبَلْوَى وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ثَبَاتُهُ عَامًّا ، وَمَا لَمْ يَكُنْ ثَبَاتُهُ كَانَ نَقْلُهُ مُتَوَاتِرًا ، وَلَيْسَ فِيهِ تَوَاتُرٌ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ التَّحْرِيمُ . وَمِنْهَا: أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْرِبَةِ قَدْ كَانَتْ حَلَالًا ، وَتَحْرِيمُهَا نُسِخَ ، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالنَّصِّ ، والنَّصُّ مُخْتَصٌّ بِالْخَمْرِ دُونَ النَّبِيذِ ، فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَإِبَاحَةِ النَّبِيذِ . وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيذَ بِالْمَدِينَةِ عَامٌّ وَالْخَمْرُ فِيهَا نَادِرٌ: لِأَنَّ النَّبِيذَ يُعْمَلُ مِنْ ثِمَارِهَا ، وَالْخَمْرُ يُجْلَبُ إِلَيْهَا مِنَ الشَّامِ وَالطَّائِفِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَلَيْسَ بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ . فَلَوِ اسْتَوَيَا فِي التَّحْرِيمِ ، لَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى بَيَانِ تَحْرِيمِ النَّبِيذِ نَصًّا أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى بَيَانِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، فَلَمَّا عَدَلَ بِالنَّصِّ عَنِ النَّبِيذِ إِلَى الْخَمْرِ دَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِالتَّحْرِيمِ دُونَ النَّبِيذِ . وَمِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى: مَا حَرَّمَ شَيْئًا إِلَّا وَأَغْنَى عَنْهُ بِمُبَاحٍ مِنْ جِنْسِهِ ، فَإِنَّهُ حَرَّمَ الزِّنَا وَأَبَاحَ النِّكَاحَ ، وَحَرَّمَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَأَبَاحَ لَحْمَ الْجَمَلِ ، وَحَرَّمَ الْحَرِيرَ وَأَبَاحَ الْقُطْنَ وَالْكِتَّانَ ، وَحَرَّمَ الْغَارَةَ وَأَبَاحَ الْغَنِيمَةَ ، وَحَرَّمَ التَّعَدِّيَ وَالْغَلَبَةَ وَأَبَاحَ الْجِهَادَ ، وَقَدْ حَرَّمَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت