مُخْتَلَفًا فِيهِ . فَإِذَا اسْتُكْمِلَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ .
فَصْلٌ: وَلَا يُحَدُّ بِرَائِحَةِ الْمُسْكِرِ مِنْ فَمِهِ ، وَلَا إِذَا تَقَيَّأَ مُسْكِرًا . وَقَالَ مَالِكٌ: أَحُدُّهُ بِرَائِحَةِ الْمُسْكِرِ ، وَبِقَيْءِ الْمُسْكِرِ ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَاعِزٍ: اسَتَنْكِهُوهُ ، فَجَعَلَ لِلرَّائِحَةِ حُكْمًا ، وَلِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَدَّ ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بِالرَّائِحَةِ . وَلِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فِي الْخَمْرِ بِشَاهِدَيْنِ ، شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ شَرِبَهَا ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ تَقَيَّأَهَا ، فَقَالَ عُثْمَانُ: مَا تَقَيَّأَهَا حَتَّى شَرِبَهَا . وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُسْتَدْرَكَ بِرَائِحَةِ الْخَمْرِ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهَا فَيُعْلَمُ بِالرَّائِحَةِ أَنَّهَا خَمْرٌ ، جَازَ أَنْ تُسْتَدْرَكَ بِالرَّائِحَةِ بَعْدَ شُرْبِهَا . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الْإِسْرَاءِ: 34 ] وَلَيْسَ لَهُ بِالرَّائِحَةِ عِلْمٌ مُتَحَقِّقٌ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ . وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَمَضْمَضَ بِالْخَمْرِ ثُمَّ مَجَّهَا ، وَلَمْ يَشْرَبْهَا فَلَمْ تُدْرَكْ رَائِحَتُهَا مِنْ فَمِهِ عَلَى شُرْبِهَا ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا ، وَلِأَنَّ رَائِحَةَ الْخَمْرِ مُشْتَرَكَةٌ ، يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ مِثْلُهَا فِي أَكْلِ النَّبْقِ ، وَبَعْضِ الْفَوَاكِهِ فَلَمْ يُقْطَعْ بِهِ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّ رَائِحَةَ الْخَمْرِ قَدْ تُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْرِبَةِ الْمُبَاحَةِ كَشَرَابِ التُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ وَرُبُوبِ الْفَوَاكِهِ . فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْطَعَ بِالرَّائِحَةِ عَلَيْهَا إِذَا شُوهِدَتْ: لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ جِسْمِهَا يَنْفِي عَنْهَا ظُنُونَ الِاشْتِبَاهِ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ وَانْفِصَالٌ . فَأَمَّا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاسْتِنْكَاهِ مَاعِزٍ ، فَلِأَنَّهُ رَآهُ ثَائِرَ الشَّعْرِ ، مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ ، مُقِرًّا بِالزِّنَا . فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ حَالَتُهُ فِي ثَبَاتِ عَقْلِهِ أَوْ زَوَالِهِ ، فَأَرَادَ اخْتِبَارَ حَالِهِ بِاسْتِنْكَاهِهِ ، وَلَمْ يُعَلِّقْ بِالِاسْتِنْكَاهِ حُكْمًا . وَأَمَّا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإِنَّهُ سَأَلَ ابْنَهُ حِينَ شَمِّ مِنْهُ الرَّائِحَةَ ، فَاعْتَرَفَ بِشُرْبِ الطِّلَا ، فَحَدَّهُ بِاعْتِرَافِهِ . وَأَمَّا عُثْمَانُ: فَلِأَنَّهُ لَمَّا اقْتَرَنَ بِشَهَادَةِ الْقَيْءِ شَهَادَةُ الشُّرْبِ ، جَازَ أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا .