فهرس الكتاب

الصفحة 6417 من 8432

وَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ النِّسَاءِ: 65 ] وَلَمْ يُعَزِّرْهُ وَإِنْ كَانَ مَا قَالَهُ يَقْتَضِيهِ . وَلِأَنَّ التَّعْزِيرَ تَأْدِيبٌ ، فَأَشْبَهَ تَأْدِيبَ الْأَبِ وَالْمُعَلِّمِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي إِجْهَاضِ الْمَرْأَةِ: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ ، إِنَّمَا أَنْتَ مُعَلِّمٌ . فَإِذَا صَحَّ جَوَازُ الْعَفْوِ عَنْهُ ، فَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا تَعَلَّقَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى . وَالثَّانِي: مَا تَعَلَّقَ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ . فَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى: فَكَالتَّعْزِيرِ بِأَسْبَابِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ مما يتعلق بحق الله ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَفْوِ عَنْهُ إِذَا رَأَى ذَلِكَ صَلَاحًا لَهُ ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِهِ فِي الصُّلْحِ . وَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ: فَكَالْمُوَاثَبَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ ، فَفِيهِ حَقٌّ لِلْمَشْتُومِ وَالْمَضْرُوبِ ، وَحَقُّ الْإِمَامِ فِي التَّقْوِيمِ وَالتَّهْذِيبِ ، فَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنِ التَّعْزِيرِ فِيهِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهِ . فَإِنْ عَفَا الْإِمَامُ عَنْهُ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْمَضْرُوبِ مِنْهُ ، وَكَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ . وَإِنْ عَفَا عَنْهُ الْمَضْرُوبُ وَالْمَشْتُومُ نُظِرَ فِي عَفْوِهِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّرَافُعِ إِلَى الْإِمَامِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْإِمَامِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِتَعْزِيرِهِ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ . وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّرَافُعِ إِلَى الْإِمَامِ ، فَفِي سُقُوطِ حَقِّ الْإِمَامِ مِنْهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ قَدْ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهُ ، وَلَيْسَ لَهُ التَّعْزِيرُ فِيهِ ، كَالْعَفْوِ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ يَمْنَعُ الْإِمَامَ مِنَ اسْتِيفَائِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْإِمَامِ مِنْهُ: لِأَنَّ التَّقْوِيمَ فِيهِ مِنْ حُقُوقِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ ، فَلَوْ تَشَاتَمَا ، وَتَوَاثَبَ وَالِدٌ مَعَ وَلَدِهِ ، سَقَطَ تَعْزِيرُ الْوَالِدِ فِي حَقِّ وَلَدِهِ ، وَلَمْ يَسْقُطْ تَعْزِيرُ الْوَلَدِ فِي حَقِّ وَالِدِهِ: لِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يُحَدُّ لِوَلَدِهِ ، وَيُحَدُّ الْوَلَدُ لِوَالِدِهِ . وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْإِمَامِ فِي تَعْزِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَيَكُونُ تَعْزِيرُ الْوَالِدِ مُخْتَصًّا بِالْإِمَامِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْوَالِدِ وَالْإِمَامِ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي فِي حُدُوثِ التَّلَفِ عَنْهُ أي التعزير فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْإِمَامِ ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَاهُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَضْمَنُهُ فِي الْحَالَيْنِ ، سَوَاءٌ أَوْجَبَهُ أَوْ أَبَاحَهُ كَالْحُدُودِ: لِحُدُوثِهِ عَنْ تَأْدِيبٍ مُسْتَحَقٍّ . وَدَلِيلُنَا: قَضِيَّةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي إِجْهَاضِ الْمَرْأَةِ جَنِينَهَا حِينَ بَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت