الصِّحَّةِ: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرِ الْإِكْرَاهُ فِي إِيمَانِهِ وَهُوَ أَصْلٌ ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِي نِكَاحِهِ وَهُوَ فَرْعٌ . فَأَمَّا إِذَا أَظْهَرَ الْمُسْلِمُ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَلَمْ يُعْلَمْ إِكْرَاهُهُ عَلَيْهَا وَلَا اعْتِقَادُهُ لَهَا حكمه: فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُكِمَ بِكُفْرِهِ وَرِدَّتِهِ: لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ لَا إِكْرَاهَ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ رُوعِيَتْ حَالُهُ: فَإِنْ تَلَفَّظَ بِهَا وَهُوَ عَلَى صِفَةِ الْإِكْرَاهِ فِي قَيْدٍ أَوْ حَبْسٍ ، فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ: أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مُكْرَهًا ، فَلَا يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ اعْتِقَادُهُ لِلْكُفْرِ . وَإِنْ كَانَ عَلَى صِفَةِ الِاخْتِيَارِ مُخْلَى السَّبِيلِ ، فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ: أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مُخْتَارًا ، فَيُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ قَالَهَا مُكْرَهًا .
فَصْلٌ: وَإِذَا أُكْرِهَ الْكَافِرُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَتَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مُكْرَهًا ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ لِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ ، وَذَلِكَ فِيمَنْ يَجُوزُ إِقْرَارُهُ عَلَى كُفْرِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَصْحَابِ الْعَهْدِ ، فَلَا يَصِيرُ بِالْإِكْرَاهِ مُسْلِمًا لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّعَدِّي بِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ بِاسْتِحْقَاقٍ ، كَإِكْرَاهِ الْمُرْتَدِّ وَإِكْرَاهِ مَنْ جَازَ قَتْلُهُ مِنْ أَسْرَى أَهْلِ الْحَرْبِ ، فَيَصِيرُ بِالْإِكْرَاهِ مُسْلِمًا لِخُرُوجِهِ عَنِ التَّعَدِّي . وَمِثَالُهُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الطَّلَاقِ ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ ، وَإِنْ كَانَ بِاسْتِحْقَاقٍ فِي الْمَوْلَى وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ: وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ ثُمَّ تَابَ ، ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ تَابَ ، وَكَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ ، قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَوِ ارْتَدَّ مِائَةَ مَرَّةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: لَا أَقْبَلُ تَوْبَتَهُ فِي الثَّالِثَةِ: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ [ النِّسَاءِ: 137 ] وَقَوْلُهُ: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [ النِّسَاءِ: 137 ] يُرِيدُ بِهَ الْكُفْرَ الثَّالِثَ . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [ الْأَنْفَالِ: 38 ] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ . وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِسْلَامِ وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْكُفْرُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ كَقَبُولِهِ مِنْ غَيْرِهِ . فَأَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ فِيمَنْ أَرَادَ كُفْرًا وَلَمْ يُحْدِثْ إِيمَانًا ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلِيلٌ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ إِسْلَامَهُ مَقْبُولٌ وَإِنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ بَعْدَ الرِّدَّةِ الثَّانِيَةِ ، وَمَا يَلِيهَا مِنْ كُلِّ رِدَّةٍ وَلَا يُحْبَسُ .