فهرس الكتاب

الصفحة 648 من 8432

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ النَّاسِي وَهُوَ التَّارِكُ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التَّوْبَةِ: ] أَيْ: تَرَكَهُمْ ، وَالْمُرْتَدُّ تَارِكٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ بِحَقِّ هَذَا الظَّاهِرِ . وَالدَّلَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ عَلَى النَّاسِي وَنَبَّهَ بِإِيجَابِهِ عَلَى الْعَامِدِ ، لِأَنَّهُ أَغْلَظُ حَالًا مِنَ النَّاسِي ، وَلِأَنَّهُ تَارِكُ صَلَاةٍ بِمَعْصِيَةٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ قَضَاؤُهَا كَالْمُسْلِمِ ، وَلِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ بِإِسْلَامِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِسْقَاطِهِ بِرِدَّتِهِ ، كَغَرَامَةِ الْأَمْوَالِ ، وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ إِلَّا شَرْطٌ هُوَ مُطَالَبٌ بِالْإِتْيَانِ بِهِ ، فَإِنَّهُ مُطَالَبٌ بِالصَّلَاةِ كَالْمُحْدِثِ ، وَيُخَالِفُ الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُكَلَّفًا فَهُوَ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِهِ ، وَالْمُرْتَدُّ مُخَالِفٌ لِلْإِسْلَامِ وَمُطَالَبٌ بِهِ ، وَلِأَنَّ لِلْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُفَارِقُ بِهِمَا الْإِسْلَامَ ، وَهُمَا مُفَارَقَةُ الْإِيمَانِ وَتَرْكُ الشَّرْعِيَّاتِ ، وَلِلْإِسْلَامِ حُكْمَيْنِ يُفَارِقُ بِهِمَا الْكُفْرَ وَهُمَا مُفَارَقَةُ الْكُفْرِ وَفِعْلُ الشَّرْعِيَّاتِ ، ثُمَّ كَانَتِ الرِّدَّةُ تَقْتَضِي الْتِزَامَ أَحَدِهِمَا وَهُوَ مُفَارَقَةُ الْكُفْرِ وَفِعْلُ الشَّرْعِيَّاتِ فَوَجَبَ أَنْ تَقْتَضِيَ الِالْتِزَامَ الْآخَرَ وَهُوَ فِعْلُ الشَّرْعِيَّاتِ . وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهُ أَحَدُ حُكْمَيِ الْإِسْلَامِ الْمُخْتَصِّ بِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ الْمُرْتَدَّ كَالْإِيمَانِ ، وَلِأَنَّ مَنْ كُلِّفَ تَصْدِيقَ الْغَيْرِ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَكْذِيبِهِ ، كُلِّفَ الْمَصِيرَ إِلَى مُقْتَضَى تَصْدِيقِهِ . أَصْلُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِالْحَقِّ لَمَّا كُلِّفَ تَصْدِيقَ الشُّهُودِ كُلِّفَ الْمَصِيرَ إِلَى مُقْتَضَى تَصْدِيقِهِمَا ، وَهُوَ الْغُرْمُ لِمَا شَهِدَا بِهِ ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ مُكَلَّفٌ لِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَبَ أَنْ يُكَلَّفَ مُقْتَضَى تَصْدِيقِهِ وَمُقْتَضَاهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ أَحْدَثَ مَا اسْتُبِيحَ بِهِ دَمُهُ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَسْقُطَ عَنْهُ الصَّلَاةُ كَالْقَاتِلِ ، وَالزَّانِي ، وَالْمُحَارِبِ ، وَلِأَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فِي الْمَنْعِ مِنَ اسْتِرْقَاقِهِ ، وَقَبُولِ جِزْيَتِهِ ، وَهُدْنَتِهِ ، وَمُؤَاخَذَتِهِ بِجِنَايَاتِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي قَضَاءِ صَلَوَاتِهِ ، وَلِأَنَّهُ قَدِ اعْتَرَفَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، وَالْتَزَمَ الْقِيَامَ بِهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ عِصْيَانُهُ بِالرِّدَّةِ عُذْرًا لَهُ فِي إِسْقَاطِ مَا لَزِمَهُ ، وَقَضَاءِ مَا تَرَكَهُ كَالْعَاصِي بِشُرْبِ الْخَمْرِ ، أَوْ فِعْلِ الزِّنَا فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ فَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ ، لِأَنَّهُ عَقَّبَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ الزُّمَرِ: ] ، وَذَلِكَ مَعَ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ: سِيَّمَا وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [ الْبَقَرَةِ: ] . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [ الْأَنْفَالِ: ] ، فَالْمُرَادُ بِهِ غُفْرَانُ الْمَآثِمِ دُونَ الْقَضَاءِ ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ فَرْضٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ مَخْصُوصٌ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ ؟ وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت