أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ لَا بَأْسَ لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّهَارَةِ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي إِبَاحَةَ الِاسْتِعْمَالِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ الْغَسْلَ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْغَسْلِ نَجِسًا ، وَالْغَسْلُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَلَمْ يَكُنْ فِي ظَاهِرِهِ دَلِيلٌ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْفِرَاءِ"أَيْنَ الدِّبَاغُ"يَعْنِي لِاسْتِصْلَاحِ لَبْسِهَا إِذْ لَا يَكُونُ لَبْسُهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ فَإِنَّمَا لَمْ يَنْجَسْ بِمَوْتِ الْأُمِّ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا وَالشَّعْرُ مُتَّصِلٌ بِهَا . وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تُفَارِقُ الْوَلَدَ بِمَوْتِ الْأُمِّ وَتُفَارِقُ الشَّعْرَ بِمَوْتِ الْأَصْلِ لِوُجُودِ النَّمَاءِ فِي الْوَلَدِ وَفَقْدِ النَّمَاءِ فِي الشَّعْرِ ، فَإِذَا ثَبَتَ نَجَاسَةُ الشَّعْرِ بِالْمَوْتِ فَلَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ، وَلَا بِالدِّبَاغِ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ: وَالشَّعْرُ يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ ، وَلَكِنْ مُطَهَّرٌ بِالْغَسْلِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"لَا بَأْسَ بِمَسْكِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ وَشَعْرِهَا إِذَا غُسِلَ"وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ النَّجِسَةَ لَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ كَاللَّحْمِ ، وَالرَّوَثِ ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ النَّاسِ فِي إِبَاحَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي حُصُولِ التَّطْهِيرِ ، فَلَوْ دُبِغَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ بِشَعْرِهِ لَطَهُرَ الْجِلْدُ دُونَ الشَّعْرِ ، لِتَأْثِيرِ الدِّبَاغَةِ فِي الْجِلْدِ دُونَ الشَّعْرِ ، وَلَا يُسْتَحَبُّ اسْتِعْمَالُهُ إِلَّا بَعْدَ إِمَاطَةِ الشَّعْرِ عَنْهُ ، فَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُ قَبِلَ إِمَاطَتِهِ فِي يَابِسٍ جَازَ ، وَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي ذَائِبٍ نُظِرَ ، فَإِنِ اسْتَعْمَلَهُ فِي بَاطِنِهِ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَيْهِ جَازَ ، وَإِنِ اسْتَعْمَلَهُ فِي ظَاهِرِهِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّعْرُ نَجِسَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُلَّتَيْنِ مِنْ مَاءٍ فَيَكُونُ طَاهِرًا .