نَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ وَلَهُمْ وَحُدُوثِ الْقُوَّةِ بَعْدَ ضَعْفِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَنَقَلَهُ إِلَى الْحَالَةِ الرَّابِعَةِ الَّتِي هِيَ غَايَةُ أَحْوَالِهِ ، فَحِينَئِذٍ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الْجِهَادَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ فَقَالَ فِيهِ: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [ التَّوْبَةِ: 73 ] . وَجِهَادُ الْكُفَّارِ بِالسَّيْفِ ، وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ بِالْوَعْظِ إِنْ كَتَمُوا ، وَبِالسَّيْفِ إِنْ أَعْلَنُوا . وَفِي قَوْلِهِ: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ، تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَبَرَّ لَهُمْ قَسَمًا . وَالثَّانِي: لَا تَقْبَلْ لَهُمْ عُذْرًا . ، وَقَالَ لِلْكَافَّةِ: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ [ الْحَجِّ: 78 ] . وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الصَّبْرُ عَلَى الشَّهَادَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ طَلَبُ النِّكَايَةِ فِي الْعَدُوِّ دُونَ الْغَنِيمَةِ . وَرَوَى أَبُو مُرَاوِحٍ الْغِفَارِيُّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: أَغْلَاهَا ثَمَنًا وأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فَرْضَهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [ الْبَقَرَةِ: 216 ] . وَكُتِبَ: بِمَعْنَى: فُرِضَ ، كَمَا قَالَ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [ الْبَقَرَةِ: 183 ] أَيْ: فُرِضَ . وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي نُفُوسِكُمْ . وَالثَّانِي: وَهُوَ شَاقٌّ عَلَى أَبْدَانِكُمْ ، وَهَلْ ذَلِكَ قَبْلَ التَّعَبُّدِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: ثُمَّ قَالَ: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [ الْبَقَرَةِ: 216 ] . وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ ، قَدْ تَكْرَهُونَ مَا تَكُونُ عَوَاقِبُهُ خَيْرًا لَكُمْ وَتُحِبُّونَ مَا تَكُونُ عَوَاقِبُهُ شَرًّا: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى الْخُصُوصِ فِي الْقِتَالِ عَلَى أَنْ تَكْرَهُوهُ وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا بِالظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ . وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا الْمُوَادَعَةَ وَالْكَفَّ وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا بِالظُّهُورِ عَلَيْكُمْ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِنُقْصَانِ أُجُورِكُمْ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُكُمْ ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَرْضُ الْجِهَادِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ تَرَتَّبَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ ، فَقَدْ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ فَرْضِهِ مَخْصُوصَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ الجهاد ، فَأَمَّا مَخْصُوصُ زَمَانِهِ فَفِيمَا