فهرس الكتاب

الصفحة 6583 من 8432

فَذَهَب الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ إِلَى أَنَّهَا وَارِدَةٌ فِي الْجِهَادِ أَيْضًا كَرَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَتَيْنِ تَأْكِيدًا . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهَا فِي النُّورِ وَارِدَةٌ فِي الْمُؤَاكَلَةِ . وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا فِي الْمُرَادِ بِالْمُؤَاكَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مَعَ هَؤُلَاءِ إِذَا دُعُوا إِلَى طَعَامٍ: لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يُبْصِرُ أَطْيَبَ الطَّعَامِ ، وَالْأَعْرَجَ لَا يَسْتَطِيعُ الزِّحَامَ ، وَالْمَرِيضُ يَضْعُفُ عَنْ مُشَارَكَةِ الصَّحِيحِ فِي الطَّعَامِ ، وَكَانُوا يَعْزِلُونَ طَعَامَهُمْ مُفْرَدًا ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ فِيهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ مُؤَاكَلَتِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ مِنْ أَهَلِّ الزَّمَانَةِ يَخْلُفُونَ الْأَنْصَارَ فِي مَنَازِلِهِمْ إِذَا خَرَجُوا لِلْجِهَادِ ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا فَرَخَّصَ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْأَكْلِ مِنْ بُيُوتِ مَنِ اسْتَخْلَفُوهُمْ فِيهَا وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانَةِ حَرَجٌ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُ قَائِدَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْكَرِيمِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَفْسِيرُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنَ الْآيَاتِ فَأَوَّلُ الْمَذْكُورِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ في الجهاد الأعمى الْأَعْمَى ، وَهُوَ الذَّاهِبُ الْبَصَرِ ، فَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ لِعِلَّةٍ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ يَرَى الْأَشْخَاصَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ صُوَرَهَا ، وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّقِيَ أَخْفَى السِّلَاحَ وَهُوَ السِّهَامُ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَرْضُ الْجِهَادِ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ: لَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ فَرْضُهُ . فَأَمَّا الْأَعْوَرُ فَيَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ فَرْضُ الْجِهَادِ: لِأَنَّهُ يُدْرِكُ بِالْعَيْنِ الْبَاقِيَةِ مَا كَانَ يُدْرِكُهُ بِهِمَا . وَكَذَلِكَ الْأَعْشَى الَّذِي يُبْصِرُ نَهَارًا وَلَا يُبْصِرُ لَيْلًا ، وَالْأَحْوَلُ ، وَالْأَعْمَشُ يَتَوَجَّهُ فَرْضُ الْجِهَادِ إِلَى جَمِيعِهِمْ ، وَهَكَذَا الْأَصَمُّ: لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ النَّظَرُ دُونَ السَّمْعِ . وَرَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اكْتُبْ: ( لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) الْآيَةَ . فَكَتَبْتُهَا فِي كَتِفٍ ، فَقَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَكَانَ أَعْمَى: فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَستَطيعُ قَالَ: فَأَخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّكِينَةُ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ ، فَقَالَ: اقْرَأْ يَا زَيْدُ مَا كَتَبْتَ فَقَرَأْتُ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ النِّسَاءِ: 95 ] . فَقَالَ: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النِّسَاءِ: 95 ] . فَكَتَبْتُهَا . وَالثَّانِي: مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ في الجهاد الأعرج الْأَعْرَجُ ، وَفِي الْمُرَادِ بِهِ فِي الْآيَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمُقْعَدُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت