قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ بَعْدَ تَحْصِينِ الثُّغُورِ ، بِمَا قَدَّمْنَاهُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مُرَاعَاةُ كُلِّ ثَغْرٍ فِي مُقَاوَمَةِ مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنَ الْأَعْدَاءِ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَخْلُونَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونُوا أَكْفَاءَهُمْ فِي الْمُقَاوَمَةِ وَالْمُطَاوَلَةِ ، فَيُقِرُّهُمْ عَلَى حَالِهِمْ فَلَا يَمُدُّهُمْ وَلَا يَسْتَمِدُّهُمْ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونُوا أَقَلَّ مِنْ أَكْفَاءِ عَدُوِّهِمْ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَمِدَّهُمْ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُمِدَّهُمْ بِمَنْ يَصِيرُوا مَعَهُ أَكْفَاءَ أَعْدَائِهِمْ ، إِنْ طَلَبَهُمُ الْعَدُوُّ امْتَنَعُوا مِنْهُ ، وَإِنْ طَلَبُوا الْعَدُوَّ قَدَرُوا عَلَيْهِ ، وَهَذَا هُوَ الْحَدُّ الْمَقْصُودُ فِي تَدْبِيرِهِمْ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ مِنْ أَكْفَاءِ عَدُوِّهُمْ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمِدَّهُمْ وَلَهُ أَنْ يَسْتَمِدَّهُمْ إِذَا احْتَاجَ ، وَلَهُمْ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ لَا يَحْتَمِلَهُمُ الثَّغْرُ لِكَثْرَتِهِمْ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْقُلَهُمْ إِلَى غَيْرِهِ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَحْتَمِلَهُمُ الثَّغْرُ فَيُقِرُّهُمْ فِيهِ عُدَّةً لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِمْ ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فَيَ كُلِّ عَامٍ: لِأَنَّ أُمُورَ الثُّغُورِ قَدْ تَنْتَقِلُ مِنْ قُوَّةٍ إِلَى ضَعْفٍ ، وَمِنْ ضَعْفٍ إِلَى قُوَّةٍ: لِيَكُونُوا أَبَدًا قَادِرِينَ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَالطَّلَبِ .
فَصْلٌ: وَالثَّانِي: أَنْ يَغْزُوَ كُلَّ عَامٍ إِمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِسَرَايَاهُ على الإمام ، وَلَا يُعَطِّلَ الْجِهَادَ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ: لِأَنَّ فَرْضَهُ عَلَى الْأَبَدِ مَا بَقِيَ لِلْكُفَّارِ دَارٌ ، وَالَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ سِيرَةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَرْبَعُ غَزَوَاتٍ ، صَيْفِيَّةٌ فِي الصَّيْفِ ، وَشَتْوِيَّةٌ فِي الشِّتَاءِ ، وَرَبِيعِيَّةٌ فِي الرَّبِيعِ ، وَخَرِيفِيَّةٌ فِي الْخَرِيفِ . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَرْضِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا وَأَكْثَرَ مِنْهُ: لِأَنَّ لَهُ فِي تِسْعِ سِنِينَ سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً بِنَفْسِهِ: قَاتَلَ مِنْهَا فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ ، وَسَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَرِيَّةً بِأَصْحَابِهِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ غَزْوَةٍ مِنْهَا إِلَى ثَغْرٍ: حَتَّى لَا يَكُونَ أَحَدُ الثُّغُورِ مُعَطَّلًا ، وَلَا يَجْمَعُهُمَا عَلَى ثَغْرٍ وَاحِدٍ فَيَتَعَطَّلُ مَا عَدَاهُ إِلَّا أَنْ يَرْجُوَ الِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهِ إِنْ وَالَى غَزْوَهُ: فَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَالِيَهُ حَتَّى يَفْتَحَهُ فَيَصِيرَ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ . فَإِنْ عَجَزَ الْإِمَامُ عَنْ أَرْبَعِ غَزَوَاتٍ فِي كُلِّ عَامٍ انْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى مَا قَدَرَ عَلَيْهِ . وَأَقَلُّ مَا عَلَيْهِ أَنْ يَغْزُوَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَهَا إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ [ التَّوْبَةِ: 126 ] . قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّهَا وَرَدَتْ فِي الْجِهَادِ ، وَلِأَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ مُتَكَرِّرٌ ، وَأَقَلُّ الْفُرُوضِ الْمُتَكَرِّرَةِ مَا وَجَبَ فِي كُلِّ