فهرس الكتاب

الصفحة 6639 من 8432

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَنْكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ إِبَاحَتِهِ ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْإِبَاحَةُ فَزَالَ الْإِنْكَارُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَيَّدَ إِنْكَارَهُ بِشَرْطٍ ، وَهُوَ قَوْلُهُ: حَتَى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ معناها وَفِي إِثْخَانِهِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَثْرَةُ الْقَتْلِ . وَالثَّانِي: الِاسْتِيلَاءُ وَالظَّفَرُ ، وَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمَا ، فَزَالَ الْإِنْكَارُ وَارْتَفَعَ الْمَنْعُ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ أَمِيرَ الْجَيْشِ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ ، يَفْعَلُ مِنْهُمَا أَصْلَحَهَا فِي كُلِّ أَسِيرٍ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا: نَظَرَ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَظِيمَ الْعَدَاوَةِ شَدِيدَ النِّكَايَةِ ، فَهُوَ الْمَنْدُوبُ إِلَى قَتْلِهِ: فَيَقْتُلُهُ صَبْرًا ، يَضْرِبُ الْعُنُقَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَضَرْبَ الرِّقَابِ [ مُحَمَّدٍ: 4 ] . وَقَوْلِهِ: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ [ الْأَنْفَالِ: 12 ] . وَلَا يُمَثِّلُ بِهِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُثْلَةِ ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْإِحْسَانَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الْقَتْلِ: فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ مَثَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُرَنِيِّينَ ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ ، وَأَرْجُلَهُمْ ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ، وَأَلْقَاهُمْ فِي حَرِّ الرَّمْضَاءِ ، فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مُتَقَدَّمِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُهِيَ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ جَزَاءً وَقِصَاصًا: لِأَنَّهُمْ قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَثَّلُوا بِهِ: فَقَاتَلَهُمْ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [ النَّحْلِ: 126 ] . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْرِقَهُمْ بِالنَّارِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يُعَذِّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَمَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حِينَ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ بِالْيَمَامَةِ جَمَاعَةً مِنَ الْأَسْرَى ، وَأَلْقَاهُمْ فِي حُفَيْرَةٍ وَأَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ ، وَأَخَذَ رَأْسَ زَعِيمِهِمْ فَأَوْقَدَهُ تَحْتَ قِدْرِهِ ، قِيلَ عَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنْكَرَا ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَبَرِئَا إِلَى اللَّهِ مِنْ فِعْلِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا كَانَتْ حَالًا لَمْ يَنْتَشِرْ فِيهَا حُكْمُ النَّهْيِ ، فَفَعَلَ خَالِدٌ مِنْ ذَلِكَ مَا اقْتَضَاهُ حُكْمُ السِّيَاسَةِ عِنْدَهُ: لِأَنَّهُ كَانَ فِي مُتَقَدَّمِ الْإِسْلَامِ ، وَكَانُوا أَوَّلَ قَوْمٍ تَظَاهَرُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت