فهرس الكتاب

الصفحة 6692 من 8432

فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَزَلَهُ عَنِ الرَّايَةِ وَسَلَّمَهَا إِلَى ابْنِهِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ وَقَالَ: الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَهْ الْيَوْمَ تُسْتَرُ فِيهِ الْحُرْمَهْ الْيَوْمَ يُعِزُّ اللَّهُ قُرَيْشًا . فَجَعْلَهُ يَوْمَ مَرْحَمَةٍ ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ مَلْحَمَةٍ ، فَدَلَّ عَلَى الصُّلْحِ دُونَ الْعَنْوَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ أَمَامَهُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، وَمَعَهُ رَايَتُهُ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ الْعُلْيَا ، وَهِيَ أَعْلَى مَكَّةَ ، وَفِيهَا دَارُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَنْفَذَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لِيَدْخُلَ مِنَ اللَّيْطِ ، وَهِيَ أَسْفَلَ مَكَّةَ ، وَفِيهَا دَارُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، وَوَصَّاهُمَا أَنْ لَا يُقَاتِلَا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمَا عَلَى مَا قَرَّرَهُ مِنَ الشَّرْطِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ ، فَأَمَّا الزُّبَيْرُ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَحَدٌ ، وَدَخَلَ حَتَّى غَرَسَ الرَّايَةَ بِالْحَجُونِ ، وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَإِنَّهُ لَقِيَهُ جَمْعٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَحُلَفَائِهِمْ بَنِي بَكْرٍ ، فِيهِمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، وَقَاتَلُوهُ ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قَتَلَ مِنْ قُرَيْشٍ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا ، وَمِنْ هُذَيْلَ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ ، وَلُّوا مُنْهَزِمِينَ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَارِقَةَ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ ، قَالَ: مَا هَذَا ، وَقَدْ نَهَيْتُ خَالِدًا عَنِ الْقِتَالِ ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ خَالِدًا قُوتِلَ فَقَاتَلَ ، فَقَالَ: قَضَى اللَّهُ خَيْرًا ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ السَّيْفَ ، وَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ الصُّلْحِ دُونَ الْعَنْوَةِ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْوَةً لَمْ يَذْكُرِ الْقِتَالَ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمِ الْفَتْحِ حِينَ سَارَ لِدُخُولِ مَكَّةَ كَانَ يَسِيرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ، وَلَوْ دَخَلَهَا مُحَارِبًا لَرَكِبَ فَرَسًا ، ثُمَّ قَصَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ كَلْبَةً أَقْبَلَتْ مِنْ مَكَّةَ ، فَاسْتَلْقَتْ عَلَى ظَهْرِهَا ، وَانْفَتَحَ فَرْجُهَا ، وَدُرَّ لَبَنُهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: ذَهَبَ كَلْبُهُمْ ، وَأَقْبَلَ خَيْرُهُمْ وَسَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْكَ بِالرَّحِمِ ، ثُمَّ خَرَجَ نِسَاءُ مَكَّةَ فَلَطَّخْنَ وُجُوهَ الْخَيْلِ بِالْخَلُوقِ ، وَفِيهِمْ قُتَيلَةُ بِنْتُ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ ، فَاسْتَوْقَفَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَقَفَ لَهَا ، وَكَانَ قَتَلَ أَبَاهَا النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ صَبْرًا ، فَأَنْشَدَتْهُ: يَا رَاكِبًا إِنَّ الْأَثِيلَ مَظِنَّةٌ عَنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ بَلِّغْ بِهِ مَيْتًا فَإْنَّ تَحِيَّةً مَا إِنْ تَزَالُ بِهَا الرَّكَائِبُ تَخْفُقُ مِنِّي إِلَيْهِ وَعَبْرَةٌ مَسْفُوحَةٌ جَادَتْ لِمَانِحِهَا وَأُخْرَى تُخْنَقُ أَمُحَمَّدٌ هَا أَنْتَ صِنْوُ نَجِيبَةٍ مِنْ قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحُلٌ مُعْرِقُ فَالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ قَتَلْتَ قَرَابَةً وَأَحَقُّهُمْ إِنْ كَانَ عِتْقًا يُعْتَقُ مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُ شِعْرَهَا مَا قَتَلْتُهُ ، وَلَمَّا رَأَى الْخَلُوقَ عَلَى خَيْلِهِ ، وَالنِّسَاءُ يَمْسَحُونَ وُجُوهَ الْخَيْلِ بِخُمُورِهِنَّ ، قَالَ: لِلَّهِ دَرُّ حَسَّانَ ، كَأَنَّمَا يَنْطِقُ عَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت