فهرس الكتاب

الصفحة 6741 من 8432

أَحَدُهَا: أَنَّ إِظْهَارَهُ هُوَ انْتِشَارُ ذِكْرِهِ فِي الْعَالَمِينَ ، وَمَعْرِفَةُ الْخَلْقِ بِهِ أَجْمَعِينَ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ: لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ أُمَّةٌ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَتْ بِدِينِ الْإِسْلَامِ ، وَدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ ، وَهُوَ بِالْحِجَازِ ، وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَاتِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ، [ الشَّرْحِ: 4 ] . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ إِظْهَارَهُ هُوَ عُلُوُّهُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا ، فَهُوَ طَالِبٌ وَغَيْرُهُ مَطْلُوبٌ ، وَقَاهِرٌ وَغَيْرُهُ مَقْهُورٌ ، وَغَانِمٌ وَغَيْرُهُ مَغْنُومٌ ، وَزَائِدٌ وَغَيْرُهُ مَنْقُوصٌ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ مَوْجُودٌ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى ، وَيَزِيدُ وَلَا يَنْقَصُ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ إِظْهَارَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا سَيَكُونُ عِنْدَ ظُهُورِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَنُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى لَا يُعْبَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ، [ النِّسَاءِ: 159 ] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ ، فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا ، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ، وَمَعْنَى زُوِيَتْ: أَيْ جُمِعَتْ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرَانِ: أَحَدُهُمَا: رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبَيلِ اللَّهِ . وَالْخَبَرُ الثَّانِي: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَى كِسْرَى يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَيْهِ مَزَّقَهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: تَمَزَّقَ مُلْكُهُ . وَكَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ‌ كِتَابًا إِلَى الْإِسْلَامِ ، لَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَيْهِ قَبَّلَهُ ، وَأَكْرَمَهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: ثَبَّتَ مُلْكَهُ . وَالْأَكَاسِرَةُ هُمْ مُلُوكُ الْفُرْسِ ، وَدِينُهُمُ الْمَجُوسِيَّةُ ، وَالْقَيَاصِرَةُ هُمْ مُلُوكُ الرُّومِ ، وَدِينُهُمُ النَّصْرَانِيَّةُ . فَكَانَ الْخَبَرَانِ فِي الْأَكَاسِرَةِ مُتَّفِقَيْنِ ، وَقَدْ وُجِدَ الْخَبَرُ فِيهِمَا عَلَى مُخْبَرِهِ: لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْخَبَرِ الْأَوَّلِ: إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَقَالَ فِي الْخَبَرِ الثَّانِي: تَمَزَّقَ مُلْكُهُ ، وَكَانَ ظَاهِرُ الْخَبَرَيْنِ فِي الْقَيَاصِرَةِ مُخْتَلِفًا ، وَالْمُخْبَرُ فِيهِمَا مُتَنَافِيًا لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْأَوَّلِ: وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ، وَقَالَ فِي الثَّانِي: ثَبَّتَ مُلْكَهُ ، وَهَذَا مُتَنَافٍ ، وَقَدْ نَرَى مُلْكَ الرُّومِ ثَابِتًا فَكَانَ ثَبَاتُهُ مُوَافِقًا لِلْخَبَرِ الثَّانِي مُنَافِيًا لِلْخَبَرِ الْأَوَّلِ ، فَعَنْهُ جَوَابَانِ يَمْنَعَانِ مِنَ التَّنَافِي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت