فهرس الكتاب

الصفحة 6755 من 8432

فَأَمَّا اسْتِبَاحَةُ مَنَاكِحِهِمْ ، وَأَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِيهَا: لِأَنَّهَا عَلَى أَصْلِ الْحَظْرِ ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِقَوْلِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِصِدْقِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَالْمَجُوسُ أَهْلُ كِتَابٍ دَانُوا بِغَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ ، وَخَالَفُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي بَعْضِ دِينِهِمْ ، كَمَا خَالَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي بَعْضِ دِينِهِمْ ، وَكَانَتِ الْمَجُوسُ فِي طَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ ، لَا يَعْرِفُ السَّلَفُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ مِنْ دِينِهِمْ مَا يَعْرِفُونَ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَتَّى عَرَفُوهُ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هُمْ أَهْلُ كِتَابٍ بَدَّلُوا فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أُسْرِيَ بِكِتَابِهِمْ ، وَأَخَذَهَا مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا الْمَجُوسُ ، فَقَدْ كَانُوا عَلَى بُعْدٍ مِنَ الْحِجَازِ ، وَكَانَتْ دِيَارُهُمُ الْعِرَاقَ وَفَارِسَ ، وَهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِنُبُوَّةِ زَرَادُشْتَ وَإِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أُشْكِلَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْمَجُوسِ حِينَ افْتَتَحَ بِلَادَهُمْ بالْعِرَاقِ ، وَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ . فَأَخَذَ عُمَرُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ بِالْعِرَاقِ وَفَارِسَ ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَخَذَهَا مِنْهُمْ فِيمَا افْتَتَحَهُ مِنْ أَطْرَافِ الْعِرَاقِ ، وَأَخَذَهَا بَعْدَهُمَا عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ، فَكَانَ أَخْذُهَا مِنْهُمْ سُنَّةً عَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَثَرًا عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا كِتَابُ الْمَجُوسِ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ كِتَابٌ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ لَهُمْ ، فَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ - فِيمَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا - أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأُمِّ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا كِتَابَ لَهُمْ ، وَقَدْ عَلَّقَ الْقَوْلَ فِي مَوْضِعٍ ثَالِثٍ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي مَذْهَبِهِ ، فَذَهَبَ الْبَغْدَادِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ بِحَسْبَ اخْتِلَافِ نَصِّهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ . وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ . وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِمْ ، وَحَمَلُوا قَوْلَهُ: إِنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي إِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ خَاصَّةً ، وَقَوْلِهِ: إِنَّهُ لَا كِتَابَ لَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا تُسْتَبَاحُ مَنَاكِحِهِمْ ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ ، وَأَنَّهُمْ لَا يَتْلُونَ كِتَابًا لَهُمْ . وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا مَا قَالَهُ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ دُونَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَصْرِيُّونَ مِنَ اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت