وَمَا حُقِنَ بِهِ الدَّمُ لَمْ يَسْقُطْ بِالْإِعْسَارِ ، كَالدِّيَةِ . وَمَا اسْتَحَقَّ بِهِ الْمُقَامُ فِي مَكَانٍ لَمْ يَسْقُطْ بِالْإِعْسَارِ كَالْأُجْرَةِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ فِعْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَخْذَهَا مِنَ الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَهَا عَنْ غَيْرِ الْمُعْتَمِلِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُعْتَمِلَ هُوَ الْمُكْتَسِبُ بِالْعَمَلِ - وَغَيْرُ الْمُعْتَمِلِ قَدْ يَتَكَسَّبُ بِالْمَسْأَلَةِ ، وَهِيَ عَمَلٌ فَصَارَ كَالْمُعْتَمِلِ . وَالْقِيَاسُ عَلَى الزَّكَاةِ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْمَالِ ، فَاعْتَبَرْنَاهُ فِي الْوُجُوبِ ، وَالْجِزْيَةُ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرِ الْمَالُ فِي الْوُجُوبِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ، فَلَمْ يَجُزِ اعْتِبَارُهَا بِالزَّكَاةِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ مَعَ اخْتِلَالِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخَرَاجَ لَا يَسْقُطُ بِالْفَقْرِ ، فَكَذَلِكَ الْجِزْيَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْقُطْ مَا فِي مُقَابَلَةِ الْجِزْيَةِ مِنْ حَقْنِ الدَّمِ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ لَمْ تَسْقُطِ الْجِزْيَةُ ، وَلَمَّا سَقَطَ مَا قِي مُقَابَلَةِ الْخَرَاجِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ سَقَطَ بِهِ الْخَرَاجُ .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَى الْفَقِيرِ مطالبته بالجزية ، كَانَتِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ وَالْأَدَاءِ ، فَلَا يُخَاطَبُ بِوُجُوبِهَا مَعَ الْفَقْرِ ، إِذَا أَيْسَرَ بِهَا اسْتُوقِفَ حَوْلَهُ ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ بِانْقِضَائِهِ . وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْجِزْيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَقِيرِ ، لَمْ تَكُنِ الْقُدْرَةُ شَرْطًا فِي وُجُوبِهَا ، فَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ ، وَهُوَ فَقِيرٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ ، وَفِيهَا وَجْهَانِ دَلَّ كَلَامُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِمَا: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُنْظَرُ بِهَا إِلَى مَيْسَرَتِهِ مَعَ إِقْرَارِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الَّتِي يَجِبُ الْإِنْظَارُ بِهَا إِلَى وَقْتِ الْيَسَارِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْظَرَ بِهَا لِإِعْسَارِهِ: لِأَنَّ لَهَا بَدَلًا فِي حَقْنِ دَمِهِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ إِنْظَارُهُ . وَقِيلَ: إِنْ لَمْ تُسْلِمْ ، وَلَمْ يُتَوَصَّلْ إِلَى تَحْصِيلِ الْجِزْيَةِ بِالطَّلَبِ وَالْمَسْأَلَةِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ تُقَرَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَأُبْلِغْتَ مَأْمَنَكَ ، ثُمَّ كُنْتَ حَرْبًا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ ، لَمَّا كَانَ الصَّوْمُ فِيهَا بَدَلًا لَمْ تَسْقُطْ بِالْإِعْسَارِ ؟ وَلَمْ يَجِبْ فِيهَا إِنْظَارٌ إِلَى وَقْتِ الْيَسَارِ ؟ كَذَلِكَ الْجِزْيَةُ .