فهرس الكتاب

الصفحة 6847 من 8432

وَإِذَا خَافَ خِيَانَةَ أَهْلِ الْهُدْنَةِ جَازَ أَنْ يَنْقُضَ هُدْنَتَهُمْ ، وَلَوْ خَافَ خِيَانَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُضَ بِهَا ذِمَّتَهُمْ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّظَرَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ لَنَا ، وَالنَّظَرَ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ لَهُمْ ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْنَا إِجَابَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا سَأَلُوهَا ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا إِجَابَةُ أَهْلِ الْهُدْنَةِ إِذَا سَأَلُوهَا . وَالثَّانِي: أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ تَحْتَ الْقُدْرَةِ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ خِيَانَتِهِمْ ، وَأَهْلَ الْهُدْنَةِ خَارِجُونَ عَنِ الْقُدْرَةِ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ خِيَانَتِهِمْ . وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْمُجَامَلَةُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ، فَهِيَ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ أَغْلَظُ مِنْهَا فِي حُقُوقِهِمْ ، فَيَلْزَمُهُمْ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْقَبِيحِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَيَبْذُلُوا لَهُمُ الْجَمِيلَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَلَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكَفُّوا عَنِ الْقَبِيحِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبْذُلُوا لَهُمُ الْجَمِيلَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ، [ التَّوْبَةِ: 33 ] . فَإِنْ عَدَلُوا عَنِ الْجَمِيلِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، فَكَانُوا يُكْرِمُونَ الْمُسْلَمِينَ ، فَصَارُوا يَسْتَهِينُونَ بِهِمْ ، وَكَانُوا يُضَيِّفُونَ الرُّسُلَ ، وَيَصِلُونَهُمْ ، فَصَارُوا يَقْطَعُونَهُمْ ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ كِتَابَ الْإِمَامِ ، فَصَارُوا يَطْرَحُونَهُ ، وَكَانُوا يَزِيدُونَهُ فِي الْخِطَابِ ، فَصَارُوا يَنْقُصُونَهُ ، فَهَذِهِ رِيبَةٌ لِوُقُوفِهَا بَيْنَ شَكَّيْنِ: لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُوا بِهَا نَقْضَ الْهُدْنَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدُوا بِهَا نَقْضَهَا ، فَيَسْأَلُهُمُ الْإِمَامُ عَنْهَا ، وَعَنِ السَّبَبِ فِيهَا ، فَإِنْ ذَكَرُوا عُذْرًا يَجُوزُ مِثْلُهُ قَبِلَهُ مِنْهُمْ ، وَكَانُوا عَلَى هُدْنَتِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا عُذْرًا أَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى عَادَتِهِمْ مِنَ الْمُجَامَلَةِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ ، فَإِنْ عَادُوا أَقَامَ عَلَى هُدْنَتِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَعُودُوا نَقَضَهَا بَعْدَ إِعْلَامِهِمْ بِنَقْضِهَا ، فَصَارَتْ مُخَالِفَةً لِلْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَعْدِلُ عَنْ أَحْكَامِ الْهُدْنَةِ إِلَّا بَعْدَ مَسْأَلَتِهِمْ ، وَلَا يَحْكُمُ بِنَقْضِهَا إِلَّا بَعْدَ إِعْلَامِهِمْ . فَأَمَّا سَبُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مِمَّا يَنْتَقِضُ بِهِ عَقْدُ الْهُدْنَةِ ، وَعَقْدُ الذِّمَّةِ ، وَكَذَلِكَ سَبُّ الْقُرْآنِ ، فَإِنْ كَانَ جَهْرًا ، فَهُوَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَانَ سِرًّا فَهُوَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْتَقِضُ بِهِمَا عَقْدُ الْهُدْنَةِ ، وَلَا عَقْدُ الذِّمَّةِ: احْتِجَاجًا لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا:"السَّامُ عَلَيْكَ"، فَقَالَ:"وَعَلَيْكُمْ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا ؟ فَقَالَ: قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ ، ثُمَّ قَالَ: مَهْلًا يَا عَائِشَةُ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت