فَإِنْ كَانَ مِنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِمِ الْمُنْكَرَةِ وَجَبَ عَلَى حَاكِمِنَا أَنْ يُعَدِّيَهَا عَلَيْهِ: لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ تَمْنَعُ مِنْ إِقْرَارِ مَا يُتَّفَقُ عَلَى إِنْكَارِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُبَاحَاتِ دِينِهِمْ ، فَفِي وُجُوبِ إِعْدَائِهَا عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَلَا يَجِبُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ ، وَهُوَ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فِي جَرَيَانِ أَحْكَامِنَا عَلَيْهِمْ . فَإِنْ أَعْدَاهَا عَلَيْهِ وُجُوبًا أَوْ جَوَازًا لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِمَا يُوجِبُهُ دِينُ الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا بِأَحْكَامِهِمْ فِي دِينِهِمْ: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [ الْمَائِدَةِ: 42 ] . فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ لَمْ تَجُزْ لَهُ الرَّجْعَةُ فِي الْعِدَّةِ إِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَأُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي إِيلَاءٍ أَصِلُهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ أُلْزِمُهُ الْفَيْءَ أَوِ الطَّلَاقَ . وَإِنْ كَانَ فِي ظِهَارٍ أُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَوْدِ حَتَّى يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصُومَ فِيهَا حَتَّى يُسْلِمَ ، وَفِي جَوَازِ إِطْعَامِهِ فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ: لِأَنَّهُ إِطْعَامٌ . وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الصِّيَامِ . وَإِنْ كَانَ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ رَاعَاهُ ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ أُبْطِلُ نِكَاحَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ لَمْ يَكْشِفْ عَنْهُ عَقْدُ النِّكَاحِ ، وَحُكِمَ بَيْنَهُمَا بِإِمْضَاءِ الزَّوْجِيَّةِ ، كَمَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ إِذَا أَسْلَمُوا . وَإِنْ كَانَ فِي مَهْرٍ تَقَابَضَاهُ: أَمْضَاهُ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضَاهُ لَمْ يُحْكَمْ بِقَبْضِهِ ، وَلَا بِقِيمَتِهِ وَحُكِمَ لَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحْكَامِ ، وَكَذَلِكَ فِي اسْتِعْدَاءِ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَمَنْ أَرَاقَ لَهُمْ خَمْرًا ، أَوْ قَتَلَ لَهُمْ خِنْزِيرًا لَمْ يَضْمَنْ المعاهد أو المستأمن: لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ ، وَلَا ثَمَنَ لِمُحَرَّمٍ ، فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتَ تُقِرُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ ! قِيلَ نَعَمْ ، وَعَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَهُوَ حَرَامٌ لَا ثَمَنَ لَهُ ، وَإِنِ اسْتَحَلُّوهُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ"الْغَصْبِ"وَذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ أَرَاقَ عَلَى ذِمِّيٍّ خَمْرًا ، أَوْ قَتَلَ لَهُ خِنْزِيرًا لَمْ يَضْمَنْ ، سَوَاءٌ كَانَ مُتْلِفُهُ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْلِمًا . وَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ضَمَانَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ ، وَأَنَّ