فهرس الكتاب

الصفحة 6877 من 8432

بِغَيْرِ إِرْسَالٍ لَمْ يَحِلَّ صَيْدُهُ إِلَّا أَنْ يُدْرَكَ حَيًّا ، فَيُذَكَّى ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ، وَشَذَّ الْأَصَمُّ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ، فَلَمْ يَعْتَبِرَا الْإِرْسَالَ: لِأَنَّهُ بِالتَّعْلِيمِ قَدْ صَارَ مُرْسَلًا ، وَهَذَا خَطَأٌ: لِأَنَّ التَّعْلِيمَ هُوَ أَنْ لَا يَسْتَرْسِلَ حَتَّى يُرْسِلَ ، وَيَنْزَجِرَ عَنِ الِاسْتِرْسَالِ . فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، وَاسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ لِنَفْسِهِ ، فَلَهُ مَعَ صَاحِبِهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى اسْتِرْسَالِهِ ، وَلَا يُشْلِيَهُ ، وَلَا يَزْجُرَهُ ، فَلَا يُؤْكَلَ مَا صَادَهُ . وَالْحَالَةُ الثَّانِيةُ: أَنْ يَزْجُرَهُ ، فَلَا يَنْزَجِرَ ، فَلَا يُؤْكَلَ صَيْدُهُ: لِأَنَّهُ بِالْإِسْرَاعِ بَعْدَ الزَّجْرِ أَسْوَأُ حَالًا . وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَزْجُرَهُ ثُمَّ يُشْلِيَهِ ، فَيَسْتَشْلِيَ ، فَيُؤْكَلَ صَيْدُهُ: لِأَنَّهُ صَادَهُ بَعْدَ الِانْزِجَارِ عَنْ إِرْسَالِهِ . وَالْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يُشْلِيَهُ بَعْدَ الِاسْتِرْسَالِ ، وَيُغْرِيَهُ بِالصَّيْدِ ، فَيَمْضِيَ عَلَى إِسْرَاعٍ بَعْدَ إِشْلَائِهِ وَإِغْرَائِهِ ، سَوَاءٌ زَادَ إِسْرَاعُهُ بِالْإِغْرَاءِ أَوْ لَمْ يَزِدْ: فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُؤْكَلُ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِرْسَالِهِ قَدِ انْقَطَعَ بِمَا حَدَثَ مِنْ إِغْوَائِهِ كَمَا يَنْقَطِعُ زَجْرُهُ قَبْلَ إِغْرَائِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُعْتَبَرًا بِالْآخَرِ دُونَ الْأَوَّلِ: وَلِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ اسْتِرْسَالٌ وَإِغْرَاءٌ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْإِغْرَاءِ دُونَ الِاسْتِرْسَالِ كَالصَّيْدِ إِذَا اسْتَرْسَلَ عَلَى طَلَبٍ ، فَأَغْرَاهُ بِهِ مُحْرِمٌ ضَمِنَهُ الْجَزَاءُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْإِغْرَاءِ ، كَذَلِكَ فِي إِبَاحَةِ الْأَكْلِ . وَدَلِيلُنَا: أَنَّ الِاسْتِرْسَالَ حَاظِرٌ وَالْإِغْرَاءَ مُبِيحٌ ، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ يُغَلَّبُ حُكْمُ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، كَمَا لَوِ اجْتَمَعَ عَلَى إِرْسَالِهِ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ: وَلِأَنَّ الْإِغْرَاءَ بَعْدَ الِاسْتِرْسَالِ مُوَافِقٌ لَهُ ، فَصَارَ مُقَوِّيًا لِحُكْمِهِ ، وَزَائِدًا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَزِدْ حُكْمُهُ بِالْقُوَّةِ وَالزِّيَادَةِ ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ مَجُوسِيٌّ وَأَغْرَاهُ مُسْلِمٌ ، أَوْ أَرْسَلَهُ مُسْلِمٌ وَأَغْرَاهُ مَجُوسِيٌّ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّ الْإِغْرَاءَ قَدْ قَطَعَ الِاسْتِرْسَالَ كَالزَّجْرِ ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَقْطَعُ الِاسْتِرْسَالُ مَا خَلْفَهُ وَلَا يَقْطَعُ مَا وَافَقَهُ ، وَالزَّاجِرُ مُخَالِفٌ لِلِاسْتِرْسَالِ ، فَصَارَ قَاطِعًا ، وَالْإِغْرَاءُ مُوَافِقٌ لَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ قَاطِعًا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّ اجْتِمَاعَ الِاسْتِرْسَالِ وَالْإِغْرَاءِ مُوجِبٌ لِتَغْلِيبِ حُكْمِ الْإِغْرَاءِ كَالْمُحْرِمِ ، فَهُوَ أَنَّهُ فِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ بِإِغْرَائِهِ ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الِاسْتِرْسَالِ ، وَيَصِيرُ دَلِيلًا لَنَا لَا عَلَيْنَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُضَمَّنُ بِالْإِغْرَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ مَأْكُولًا بِالْإِغْرَاءِ: لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ فِي هَذَا الضَّمَانِ إِيجَابٌ وَإِسْقَاطٌ ، يُغَلَّبُ حُكْمُ الْإِيجَابِ عَلَى الْإِسْقَاطِ ، وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الْمَأْكُولِ حَظْرٌ وَإِبَاحَةٌ يُغَلَّبُ حُكْمُ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ . أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّيْدَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت