فهرس الكتاب

الصفحة 6908 من 8432

صَيْدُ الْآلَةِ إِلَّا بِعَقْرِهِ وَجَبَ أَنْ لَا يَحِلَّ صَيْدُ الْجَوَارِحِ إِلَّا بِعَقْرِهِ: لِأَنَّهُ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ ، فَكَانَ الْعَقْرُ شَرْطًا فِي الْحَالَيْنِ . وَدَلِيلُ الْقَوْلِ الثَّانِي فِي إِبَاحَتِهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ يُرِيدُ بِهِ الْجَوَارِحَ الْكَوَاسِبَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ [ الْجَاثِيَةِ: 21 ] أَيِ اكْتَسَبُوا ثُمَّ قَالَ: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [ الْمَائِدَةِ: 4 ] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ إِمْسَاكٍ عَقَرَ أَوْ لَمْ يَعْقِرْ ، وَلِأَنَّ شُرُوطَ الذَّكَاةِ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ ، فَتَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ فِي مَحَلِّهَا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ مَا يَسْقُطُ مَعَ الْعَجْزِ ، كَذَلِكَ الْعَقْرُ لَا يُشَقُّ اعْتِبَارُهُ فِي الْآلَةِ ، فَكَانَ شَرْطًا وَشَقُّ اعْتِبَارِهِ فِي الْجَارِحِ فَلَمْ يَكُنْ عَقْرُهُ شَرْطًا: وَلِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي تَعْلِيمِ الْجَارِحِ ، كَانَ شَرْطًا فِي الِاسْتِبَاحَةِ ، كَالْإِمْسَاكِ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي التَّعْلِيمِ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي الِاسْتِبَاحَةِ ، كَالْأَكْلِ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْعَقْرُ شَرْطًا فِي تَعْلِيمِهِ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي اسْتِبَاحَةِ صَيْدِهِ: وَلِأَنَّ عَقْرَهُ مِنْ دَوَاعِي الْأَكْلِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْحَظْرِ ، فَكَانَ تَرْكُ عَقْرِهِ أَصَحَّ فِي التَّعْلِيمِ ، وَأَبْعَدَ مِنَ الْحَظْرِ ، فَكَانَ أَحَقَّ بِالْإِبَاحَةِ مِنَ الْعَقْرِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى:"وَلَوْ رَمَى شَخْصًا يَحْسَبُهُ حَجَرًا فَأَصَابَ صَيْدًا فَلَوْ أَكَلَهُ مَا رَأَيْتُهُ مُحَرَّمًا كَمَا لَوْ أَخْطَأَ شَاةً فَذَبَحَهَا لَا يُرِيدُهَا وَكَمَا لَوْ ذَبَحَهَا وَهُوَ يَرَاهَا خَشَبَةً لَيِّنَةً". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ ، إِذَا رَأَى شَخْصًا ، فَظَنَّهُ حَجَرًا أَوْ شَجَرَةً ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ ، فَبَانَ أَنَّهُ صَيْدٌ قَتَلَهُ حَلَّ أَكْلُهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَى الشَّخْصَ ، وَهُوَ يَظُنُّهُ إِنْسَانًا أَوْ حَيَوَانًا غَيْرَ مَأْكُولٍ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، فَبَانَ أَنَّهُ صَيْدٌ مَأْكُولٌ قَتَلَهُ حَلَّ أَكْلُهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنْ ظَنَّهُ غَيْرَ حَيَوَانٍ مِنْ شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ ، فَبَانَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ ، وَإِنْ ظَنَّهُ حَيَوَانًا غَيْرَ مَأْكُولٍ ، فَبَانَ مَأْكُولًا حَلَّ أَكْلُهُ ، وَعِلَّةُ إِبَاحَتِهِ عِنْدَنَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ أَصْحَابِنَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِلَّةَ فِي إِبَاحَتِهِ قَصْدُهُ لِلْفِعْلِ ، فَكَانَ مَا حَدَثَ مِنْ فِعْلِهِ الْمَقْصُودِ مُبَاحًا ، كَمَا لَوْ قَصَدَ ذَبْحَ شَاةٍ فَذَبَحَهَا ، وَهُوَ يَحْسَبُهَا غَيْرَهَا ، حَلَّ أَكْلُهَا كَمَا لَوْ قَبَضَ عَلَى شَيْءٍ يَحْسَبُهُ خَشَبَةً لَيِّنَةً فَقَطَعَهَا فَبَانَ أَنَّهُ حَلْقُ شَاةٍ قَدْ ذَبَحَهَا حَلَّ أَكْلُهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ تَعْلِيلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي إِبَاحَتِهِ مُبَاشَرَتُهُ لِلْفِعْلِ دُونَ الْقَصْدِ: لِأَنَّ ذَكَاةَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مُبَاحَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا قَصْدٌ ، فَكَانَ التَّعْلِيلُ بِالْمُبَاشِرَةِ أَوْلَى مِنَ التَّعْلِيلِ بِالْقَصْدِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ عَلَى التَّعْلِيلَيْنِ جَمِيعًا ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت