وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ يَعْنِي مَطْعُومَهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ مَطْعُومٌ . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ فَعَمَّ جَمِيعَ مَيْتَاتِهِ ، وَلَمْ يَخُصَّهَا . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ دَابَّةٍ تَمُوتُ فِي الْبَحْرِ فَقَدْ ذَكَّاهَا اللَّهُ لَكُمْ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَيْسَ فِيهِ مُخَالِفٌ لَهُ ، فَكَانَ إِجْمَاعًا: وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَعِشْ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا فِي الْمَاءِ حَلَّ أَكْلُهُ مَيْتًا كَالْحُوتِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ [ الْأَنْعَامِ: 145 ] فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الْخِنْزِيرِ لَا يَنْطَلِقُ لُغَةً وَعُرْفًا إِلَّا عَلَى خِنْزِيرِ الْبَرِّ ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ ، قِيلَ: خِنْزِيرُ الْمَاءِ ؛ مُقَيَّدًا بِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ حُكْمُهُ عَلَى إِطْلَاقِهِ . وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ اسْمَهُ لَوِ انْطَلَقَ عَلَيْهَا لَخَصَّ تَحْرِيمَهَا بِقَوْلِهِ: لِكُلِّ مَيْتَةٍ . وَأَمَّا الصَّوَابُ عَنْ قَوْلِهِ:"الْمَيْتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ"، فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اسْمَ الْحُوتِ يَنْطَلِقُ عَلَى جَمِيعِهَا ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى إِبَاحَتِهَا دُونَ حَظْرِهَا . وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ:"الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"أَعَمُّ مِنْهُ فَصَارَ الْحُوتُ دَاخِلًا فِي عُمُومِهِ ، وَلَمْ يَخُصَّهُ: لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْبَرِّيِّ ، فَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ حَيَوَانِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِالْقِيَاسِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ إِبَاحَةَ الْحَيَوَانِ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَوَاطِنِهِ ، فَهُوَ مَدْفُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ مَعَ الْإِجْمَاعِ فِي الِاسْمِ وَالصُّورَةِ تَأْثِيرٌ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ: لِأَنَّ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ وَالْحِمَارَ الْأَهْلِيَّ يَجْتَمِعَانِ فِي الِاسْمِ ، وَيَشْتَبِهَانِ فِي الصُّورَةِ ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي الْإِبَاحَةِ ، فَيَحِلُّ الْوَحْشِيُّ ، وَيَحْرُمُ الْأَهْلِيُّ: لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَكَانِ ، وَإِنْ كَانَ الْبَرُّ يَجْمَعُهُمَا ، فَكَانَ مَا افْتَرَقَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أَوْلَى أَنْ يَفْتَرِقَا فِي الْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ ، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الِاسْمِ وَاشْتَبَهَا فِي الصُّورَةِ ، وَبِهَذَا يَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى اعْتِبَارِ حَيَوَانِ الْبَحْرِ بِحَيَوَانِ الْبَرِّ فَأَحَلَّ مِنْهُ مَا أَشْبَهَ مُحَلَّلَاتِ الْبَرِّ وَحَرَّمَ مِنْهُ مَا أَشْبَهَ مُحَرَّمَاتِ الْبَرِّ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَهُوَ مَا يَجْمَعُ فِي عَيْشِهِ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ من الحيوانات فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: