أَحَدُهَا: أَنَّ مَنِيَّهَا طَاهِرٌ ، لِأَنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَنِيَّهَا نَجِسٌ ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ نَجِسًا إِذَا مَاتَ بَعْدَ حَيَاتِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا فِي حَالِ مَوْتِهِ قَبْلَ حَيَاتِهِ ، لِأَنَّ حُكْمَ الْمَوَاتِ الْأَوَّلِ كَ ( حُكْمِ ) الْمَوَاتِ الثَّانِي ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [ غَافِرٍ: ] . أَلَا تَرَى ابْنَ آدَمَ لَمَّا كَانَ طَاهِرًا بَعْدَ مَوْتِهِ حُكِمَ لَهُ بِالطَّهَارَةِ قَبْلَ حَيَاتِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَنِيَّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ ، وَمَنِيَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ اعْتِبَارًا بِلَبَنِهِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَيُصَلِّي عَلَى جِلْدِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إِذَا ذَكَّى ، وَفِي صُوفِهِ ، وَشَعْرِهِ ، وَرِيشِهِ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ ، وَهُوَ حَيٌّ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي جُلُودِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إِذَا كَانَ مُذَكًّى ، وَإِنْ لَمْ يُدْبَغْ ، لِأَنَّ الذَّكَاةَ أَبْلَغُ مِمَّا يُعْمَلُ فِيهِ مِنَ الدِّبَاغَةِ لِتَطْهِيرِهَا جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانَاتِ ، وَاخْتِصَاصِ الدِّبَاغَةِ بِتَطْهِيرِ الْجِلْدِ وَحْدَهُ ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ فِي دِبَاغِهِ طَهَارَتَهُ ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ مِنْهَا تَنْشِيفُهُ وَامْتِنَاعُ فَسَادِهِ ، فَأَمَّا الطَّاهِرُ مِنَ الصُّوفِ ، وَالشَّعْرِ ، وَالرِّيشِ ، وَالْوَبَرِ طهارته والصلاة فيه فَلَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ ، وَالصَّلَاةِ فِيهِ ، وَعَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [ النَّحْلِ: ] . وَرَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَيْهِ فِي غَزَاةِ تَبُوكَ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكِمَامِ يَعْنِي صُوفًا . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ إِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ شُمَّ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَائِحُ كَرَوَائِحِ الضَّأْنِ مِنْ لِبَاسِهِمُ الصُّوفَ ، وَلِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِنَفْعِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا كَـ"اللَّبَنِ". وَقَوْلُنَا: لِنَفْعِهِ احْتِرَازٌ مِمَّا قُطِعَ مِنْ أَعْضَائِهِ .
مَسْأَلَةٌ:"وَلَا تَصِلْ مَا انْكَسَرَ مِنْ عَظْمِهِ إِلَّا بِعَظْمِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ذَكِيًّا ، فَإِنْ رَقَعَهُ بِعَظْمِ مَيْتَةٍ أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ عَلَى قَلْعِهِ ، فَإِنْ مَاتَ صَارَ مَيِّتًا كُلَّهُ وَاللَّهُ حَسِيبُهُ".