فهرس الكتاب

الصفحة 7017 من 8432

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ وَالْوَدَكِ ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ جَامِدًا فَاطْرَحُوهَا وَمَا حَوْلَهَا ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَانْتَفِعُوا بِهِ ، وَلَا تَأْكُلُوهُ . وَرَوَى أَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ وَالزَّيْتِ ، فَقَالَ: اسْتَصْبِحُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ . وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ نَصٌّ فِي إِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ وَالِاسْتِصْبَاحِ بالسمن والزيت إذا نجس: وَلِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِإِرَاقَتِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ ، كَانَ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ أَوْلَى ، لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ لِعَيْنِهِ ، مَعَ الِانْتِفَاعِ بِهِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِهِ ، فَالْمَنَافِعُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ وَرَدَ النَّصُّ بِإِبَاحَتِهِ ، وَقِسْمٌ وَرَدَ النَّصُّ بِالنَّهْيِ عَنْهُ ، وَقِسْمٌ مُرْسَلٌ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ . فَأَمَّا الْقَسَمُ الْأَوَّلُ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ بِإِبَاحَتِهِ ، فَهُوَ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ ، فَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ إِسْجَارِ التَّنَانِيرِ بِالْبَعْرِ وَالسِّرْجِينِ وَجَمِيعِ الْأَنْجَاسِ ، وَإِبْقَائِهِ تَحْتَ الْقُدُورِ ، وَمِنَ الِاصْطِلَاءِ بِنَارِهِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي نَجَاسَةِ دُخَّانِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَجِسٌ: لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ عَنْ نَجَاسَةٍ وَالْأَعْيَانُ النَّجِسَةُ لَا تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ كَالرَّمَادِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ طَاهِرٌ ، لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنَ الْتِقَاءِ جِسْمَيْنِ ، فَلَمْ يَنْجُسْ بِنَجَاسَةِ أَحَدِ الْجِسْمَيْنِ ، كَالرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنَ الْجَوْفِ . فَإِنْ قِيلَ: بِطَهَارَتِهِ لَمْ يَلْزَمِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ إِلَّا تَنَزُّهًا . وَإِنْ قِيلَ: بِنَجَاسَتِهِ ، فَفِي الْعَفْوِ عَنْهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُعْفَى عَنْهُ: لِلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ فِي التَّحَرُّزِ مِنْهُ ، كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ ، فَعَلَى هَذَا إِنْ سَجَّرَ بِهِ تَنُّورًا لَمْ يَلْزَمْهُ مَسْحُهُ مِنْهُ ، وَجَازَ الْخَبْزُ فِيهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ: لِأَنَّ الْبُعْدَ مِنْهُ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ لَهُ مُمْكِنٌ ، فَأَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ . فَعَلَى هَذَا إِنْ تَدَخَّنَ بِهِ ثَوْبٌ وَجَبَ غَسْلُهُ ، وَإِذَا سُجِّرَ بِهِ تَنُّورٌ ، وَجَبَ مَسْحُهُ مِنْهُ قَبْلَ الْخَبْزِ فِيهِ ، فَإِنْ خُبِزَ فِيهِ قَبْلَ مَسْحِهِ نَجُسَ ظَهْرُ الرَّغِيفِ ، وَكَانَ وَجْهُهُ طَاهِرًا ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْكُلَ الرَّغِيفَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَغْسِلَ ظَاهِرَهُ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ بِالنَّهْيِ عَنْهُ ، وَهُوَ أَنْ تُطْلَى بِهِ السُّفُنُ وَالْمَرَاكِبُ . رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُطْلَى السُّفُنُ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ ، وَحُكْمُ شُحُومِ الْمَيْتَةِ وَالزَّيْتِ النَّجِسِ سَوَاءٌ فِي جَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِهِمَا ، فَكَانَ سَوَاءً فِي الْمَنْعِ مِنْ إِطْلَاءِ السُّفُنِ بِهِمَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت