فَصْلٌ: شُرُوطُ إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ فَإِذَا ثَبَتَ إِبَاحَةُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ بِإِبَاحَتِهَا مُعْتَبِرَةً بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِ الْجُوعُ إِلَى حَدِّ التَّلَفِ ، وَلَا يَقْدِرَ عَلَى مَشْيٍ وَلَا نُهُوضٍ شرط إِبَاحَةُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ ، فَيَصِيرَ غَيْرَ مُتَمَاسِكِ الرَّمَقِ إِلَّا بِهَا ، فَيَصِيرَ حِينَئِذٍ مِنْ أَهْلِ الْإِبَاحَةِ ، فَإِنْ تَمَاسَكَ رَمَقُهُ أَوْ جَلَسَ وَأَقَامَ وَلَمْ يَتَمَاسَكْ إِنْ مَشَى ، وَسَارَ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ فِي سَفَرٍ يَخَافُ فَوْتَ رَفَاقَتِهِ حَلَّ لَهُ أَكْلُهَا ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ رَفَاقَتِهِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ . وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَجِدَ مَأْكُولَ الْحَشِيشِ وَالشَّجَرِ مَا يُمْسِكُ بِهِ رَمَقَهُ شرط إِبَاحَةُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ ، فَإِنْ وَجَدَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْمَيْتَةُ ، وَلَوْ وَجَدَ مِنَ الْحَشِيشِ مَا يَسْتَضِرُّ بِأَكْلِهِ حَلَّتْ لَهُ الْمَيْتَةُ . وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَجِدَ طَعَامًا يَشْتَرِيَهُ ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يَشْتَرِيَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ ، سَوَاءٌ وَجَدَ ثَمَنَهُ أَوْ لَمْ يَجِدْ إِذَا أَنْظَرَهُ الْبَائِعُ ثَمَنَهُ بِخِلَافِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ إِذَا كَانَ عَادِمًا ، لِأَنَّ إِبَاحَةَ التَّيَمُّمِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْعُدْمِ ، وَهُوَ بِإِعْوَازِ الثَّمَنِ عَادِمٌ . وَإِبَاحَةُ الْمَيْتَةِ مُعْتَبَرَةٌ بِالضَّرُورَةِ ، وَهُوَ مَعَ الْإِنْظَارِ بِالثَّمَنِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ ، فَإِنْ بُذِلَ لَهُ الطَّعَامُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ ، كَالْمَاءِ: لِأَنَّ الْتِمَاسَ الزِّيَادَةِ مُنْتَفٍ . وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ بِمَا دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَى الْمَيْتَةِ عَاصِيًا ، كَمُقَامِهِ عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَإِخَافَتِهِ السَّبِيلَ أَوْ لِبَغْيِهِ عَلَى إِمَامٍ عَادِلٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [ الْمَائِدَةِ: 3 ] وَلِأَنَّ إِبَاحَةَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ رُخْصَةٌ ، وَالْعَاصِي لَا يَتَرَخَّصُ فِي مَعْصِيَتِهِ ، فَإِنْ تَابَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ حَلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ ، وَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَتُبْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إِلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ التَّوْبَةِ . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ ، وَإِنْ قَصُرَ السَّفَرُ ، لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ أَحْوَالِهِ الْعُدْمُ ، وَإِنْ حَدَثَ مِثْلُهُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى حَلَّ فِيهَا أَكْلُ الْمَيْتَةِ كَالسَّفَرِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا أُحِلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا مَا يُمْسِكُ رَمَقَهُ ، كَيْفَمَا سَاغَهُ طَبْخًا وَقَلْيًا ، وَشَيًّا ، وَنِيئًا ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَاوَزَ بِالْأَكْلِ بَعْدَ إِمْسَاكِ الرَّمَقِ إِلَى أَبَدٍ يَنْتَهِي إِلَى حَدِّ الشِّبَعِ ، فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى إِمْسَاكِ الرَّمَقِ ، وَمَا بَعْدَهُ إِلَى حَدِّ الشِّبَعِ حَرَامٌ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَأْكُلُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الشِّبَعِ ، وَلَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ إِلَّا مَا زَادَ عَلَى حَدِّ الشِّبَعِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ . وَدَلِيلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي تَحْرِيمِ الشِّبَعِ لآكل الميتة مضطرا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: