مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [ النِّسَاءِ: ] . يَعْنِي: بِالصَّلَاةِ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ ، لِأَنَّهُ يُسَمَّى صَلَاةً . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ [ الْحَجِّ: ] . وَالصَّلَاةُ لَا تُهْدَمُ وَإِنَّمَا يُهْدَمُ مَكَانُهَا ، وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ وَاقِعًا عَلَيْهِ كَانَ النَّهْيُ مَصْرُوفًا إِلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ: إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [ النِّسَاءِ: ] ، وَالْعُبُورُ عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ لَا يَصِحُّ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْعُبُورُ عَلَى مَكَانِهَا فَصَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [ النِّسَاءِ: ] وَلَا مَوْضِعَ الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ فَاسْتَثْنَى الِاجْتِيَازَ مِنْ جُمْلَةِ النَّهْيِ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَإِنْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [ النِّسَاءِ: ] . مُسَافِرًا عَادِمًا لِلْمَاءِ فَيَتَيَمَّمُ ، وَيُصَلِّي ، فَيُحْمَلُ أَوَّلُ الْآيَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَآخِرُهَا عَلَى الِائْتِمَارِ ، وَأَنْتُمْ حَمَلْتُمْ آخِرَ الْآيَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَأَوَّلَهَا عَلَى الْمَجَازِ فَيَسْتَوِي التَّأْوِيلَانِ ، وَيَتَقَابَلَا ، وَكَانَ هَذَا التَّأْوِيلُ أَشْبَهَ بِالْحَالِ ، وَهُوَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قُلْنَا: إِذَا تَقَابَلَ التَّأْوِيلَانِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ ، وَاحْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيحِ ، فَتَأْوِيلُنَا أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِذَا حَمَلُوا إِضْمَارَ الصَّلَاةِ عَلَى فِعْلِهَا لَمْ يَسْتَفِيدُوا بِالْآيَةِ إِلَّا إِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لِلْجُنُبِ الْمُتَيَمِّمِ ، وَإِبَاحَةُ الصَّلَاةِ لِلْجُنُبِ إِذَا تَيَمَّمَ مُسْتَفَادٌ بِآيَةٍ أُخْرَى ، وَحَمْلُ الْآيَتَيْنِ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِمَا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، فَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا جُنُبًا الْجُنُبُ الَّذِي لَمْ يَسْتَبِحْ فِعْلَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ وَهُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [ النِّسَاءِ: ] الْمُرَادُ بِهِ: جُنُبًا لَمْ يَسْتَبِحْ فِعْلَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ ، لِأَنَّهُ الِاسْتِثْنَاءُ ، فَكَانَ تَأْوِيلُنَا أَوْلَى بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مِنَ التَّرْجِيحِ . فَإِنْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [ النِّسَاءِ: ] وَهَذَا مِمَّا لَا يُوصَفُ بِهِ الْمُجْتَازُ ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهِ الْمُصَلِّي قِيلَ: قَدْ يُوصَفُ بِهِ الْمُجْتَازُ بِمَوْضِعِ الصَّلَاةِ ، لِأَنَّهُ إِذَا سَكِرَ لَمْ يُؤْمَنْ مِنْهُ تَنْجِيسُ الْمَسْجِدِ إِذَا دَخَلَهُ فَنَهَى عَنْهُ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ أَطْفَالَكُمْ وَمَحَارِيبَكُمْ لِأَنَّهُمْ يُرْسِلُونَ الْبَوْلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ كَالسَّكْرَانِ الَّذِي رُبَّمَا نَجَّسَ الْمَسْجِدَ بِغَيْرِ قَصْدِهِ . ثُمَّ الدَّلِيلُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: هُوَ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ آمَنُ مِنْهُ تَنْجِيسَ الْمَسْجِدِ فَجَازَ لَهُ الْعُبُورُ فِيهِ كَالْمُحْدِثِ ، وَهَذَا خَيْرُ قِيَاسٍ فِي الْمَسْأَلَةِ . وَقَوْلُنَا: مُكَلَّفٌ ، احْتِرَازٌ مِنَ الصِّغَارِ ، وَالْمَجَانِينِ . وَقَوْلُنَا: آمَنُ مِنْهُ تَنْجِيسَ الْمَسْجِدِ احْتِرَازًا مِنَ الْحَائِضِ ، وَصَاحِبِ النَّجَاسَةِ فَأَمَّا تَعَلُّقُهُمْ