مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: ( وَلَا يَجُوزُ السَّبَقُ إِلَّا مَعْلُومًا المال المخرج في عقد المناضلة كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ يُرِيدُ بِالسَّبَقِ الْمَالَ الْمُخْرَجَ فِي الْعَقْدِ ، فَلَا يَصِحُّ مَعَهُ الْعَقْدُ حَتَّى يَكُونَ مَعْلُومًا مِنْ وَجْهَيْنِ ، إِمَّا بِالتَّعْيِينِ كَاسْتِبَاقِهِمَا عَلَى عَيْنٍ شَاهِدٍ ، وَإِمَّا بِالصِّفَةِ كَاسْتِبَاقِهِمَا عَلَى مَالٍ فِي الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ ، فَإِنْ تَسَابَقَا عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ زَيْدٌ كَانَ بَاطِلًا لِلْجَهَالَةِ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ . وَلَوْ تَسَابَقَا وَتَنَاضَلَا عَلَى مِثْلِ مَا يُسَابِقُ أَوْ يُنَاضِلُ بِهِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ عِلْمِهِمَا بِقَدْرِهِ صَحَّ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ عِلْمِهِمَا بِقَدْرِهِ بَطَلَ ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ قَفِيزٌ مِنْ حِنْطَةٍ ، فَتَنَاضَلَا عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ الْقَفِيزُ مُسْتَحَقًّا مِنْ سَلَمٍ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا تَصِحُّ ، وَإِنْ كَانَ عَنْ غَصْبٍ صَحَّ ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ تَصِحُّ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي صِحَّةِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى دِينَارٍ إِلَّا دَانِقًا صَحَّ ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى دِينَارٍ إِلَّا دِرْهَمًا لَمْ يَصِحَّ لَأَنْ يَكُونَ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جِنْسِهِ مَعْلُومًا ، وَبِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مَجْهُولًا ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى دِينَارٍ مُعَجَّلٍ وَقَفِيزِ حِنْطَةٍ مُؤَجَّلٍ صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى عِوَضَيْنِ حَالٍّ وَمُؤَجَّلٍ ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ النَّاضِلُ دِينَارًا وَيُعْطِيَ دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ النَّاضِلَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَأْخُذَ وَلَا يُعْطِيَ ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى دِينَارٍ بَذَلَهُ أَحَدُهُمَا فَإِنْ نُضِلَ دَفَعَهُ ، وَلَمْ يَرْمِ أَبَدًا أَوْ شَهْرًا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا لِأَنَّهُ قَدْ شَرَطَ فِيهِ الِامْتِنَاعَ ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، فَبَطَلَ وَإِذَا تَنَاضَلَا وَقَدْ فَسَدَ الْعَقْدُ بِمَا ذَكَرْنَا ، فَنَضَلَ أَحَدُهُمَا ، فَإِنْ كَانَ النَّاضِلُ بَاذِلَ الْمَالِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَنْضُولِ ، وَإِنْ كَانَ النَّاضِلُ غَيْرَ الْبَاذِلِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ لِأُجْرَةِ مِثْلِهِ عَلَى الْبَاذِلِ وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: ( وَلَوِ اشْتَرَطَ أَنْ يُطْعِمَ أَصْحَابَهُ كَانَ فَاسِدًا الجعل في المناضلة ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَالَ السَّبَقِ يَمْلِكُهُ النَّاضِلُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُطْعِمَهُ أَصْحَابَهُ ، فَإِنْ شُرِطَ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ أَنْ يُطْعِمَهُ أَصْحَابَهُ ، وَلَا يَمْلِكَهُ كَانَ الشَّرْطُ فَاسِدًا لِأَنَّهُ يُنَافِي مُوجَبَ الْعَقْدِ ، وَفِي فَسَادِ الْعَقْدِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعَقْدَ يَفْسُدُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ في المناضلة كَالْبَيْعِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ هَذَا الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ لَا يَعُودُ عَلَى مُشْتَرِطٍ وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .