قَرِيبٍ مُسْقِطًا لِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ ، فَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الرَّمْيِ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ ، وَذَكَرَ مَذَاهِبَ الرُّمَاةِ فِيهِ ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُزَنِيُّ ، إِمَّا لِاخْتِصَارِهِ ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِرَأْيِهِ لِضِيقِهِ وَكَثْرَةِ خَطَرِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ الْإِصَابَةَ بَعْدَ إِثْبَاتِهَا ، وَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَوْعٌ مَعْهُودٌ فِي الرَّمْيِ ، فَأَشْبَهَ الْمُحَاطَّةَ وَالْمُبَادَرَةَ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَبْعَثُ عَلَى مُعَاطَاةِ الْحِذْقِ فَصَحَّ . وَذَلِكَ فِي جَوَازِ النِّضَالِ عَلَى إِصَابَةِ الْحَوَابِ ، وَكَانَ عَقْدُهُمَا عَلَى إِصَابَةِ خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ ، فَلَهُمَا إِذَا تَنَاضَلَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْصُرَا عَلَى عَدَدِ الْإِصَابَةِ . وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَوْفِيَا عَدَدَ الْإِصَابَةِ . وَالثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا أَحَدُهُمَا ، وَيَقْصُرَ عَنْهَا الْآخَرُ . فَأَمَّا الْحَالُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَقْصُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ عَدَدِ الْإِصَابَةِ فَيُصِيبَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ ، فَقَدِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الْعَقْدِ بِنُقْصَانِ الْإِصَابَةِ مِنَ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا نَاضِلٌ وَلَا مَنْضُولٌ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مَعَ نُقْصَانِ الْعَدَدِ . وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ أَنْ يَسْتَوْفِيَا مَعًا عَدَدَ الْإِصَابَةِ فَيُصِيبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةً فَصَاعِدًا ، فَيُعْتَبَرَ حِينَئِذٍ حَالُ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ ، فَإِنَّهُمَا لَا يَخْلُوَانِ فِيهِمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْإِصَابَاتُ فِي الْهَدَفِ ، وَقَدْ تَسَاوَتْ فِي الْقُرْبِ مِنَ الشَّنِّ ، وَلَيْسَتْ بَعْضُهَا بِأَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَقَدْ تَكَافَآ وَلَيْسَ فِيهِمَا نَاضِلٌ وَلَا مَنْضُولٌ ، وَهَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمٌ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الشَّنِّ مِنْ بَاقِي سِهَامِهِ ، وَتَسَاوَى السَّهْمَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي الْقُرْبِ مِنَ الشَّنِّ كَانَا سَوَاءً لَا نَاضَلَ فِيهِمَا وَلَا مَنْضُولَ ، فَإِنْ تَقَدَّمَ لِأَحَدِهِمَا سَهْمٌ وَلِلْآخَرِ سَهْمَانِ وَتَسَاوَتِ السِّهَامُ الثَّلَاثَةُ فِي قُرْبِهَا مِنَ الشَّنِّ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُقْتَرِبَ بِسَهْمَيْنِ نَاضِلٌ لِلْمُقْتَرِبِ بِسَهْمٍ ، لِفَضْلِهِ فِي الْعَدَدِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لَا نَاضَلَ فِيهِمَا وَلَا مَنْضُولَ ؛ لِأَنَّ نِضَالَ الْحَوَابِ مَوْضُوعٌ عَلَى الْقُرْبِ دُونَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ سِهَامُ أَحَدِهِمَا أَقْرَبَ إِلَى الشَّنِّ مِنْ سِهَامِ الْآخَرِ ، فَأَقْرَبُهُمَا إِلَى الشَّنِّ هُوَ النَّاضِلُ ، وَأَبْعَدُهُمَا مِنَ الشَّنِّ هُوَ الْمَنْضُولُ . وَهَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَ