فهرس الكتاب

الصفحة 7119 من 8432

هِيَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَعِيدِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَكْرُوهٍ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ مَكْرُوهَةٌ ، فَهِيَ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ ، وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِنْ حَنِثَ فِيهَا ، وَهُوَ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ، وَهَكَذَا إِذَا حَلَفَ بِمَا يَحُظُرُهُ الشَّرْعُ كَقَوْلِهِ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ اللَّهِ ، أَوْ كَافِرٌ بِهِ ، أَوْ خَارِجٌ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ، أَوْ فَأَنَا يَهُودِيٌّ ، أَوْ وَثَنِيٌّ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ ، وَلَمْ يَلْزَمْ بِالْحِنْثِ فِيهَا كَفَّارَةٌ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ: تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ وَتَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ إِنْ حَنِثَ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ [ الْمَائِدَةِ: 89 ] ، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ . وَرُبَّمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَلِيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلَمْ يُفَرِّقْ . وَبِمَا رَوَى ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا ، فَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا فَجَعَلَهَا يَمِينًا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [ النَّحْلِ: 91 ] . فَدَلَّ عَلَى لُزُومِهَا ؛ وَلِأَنَّ لُزُومَ الْيَمِينِ بِاللَّهِ لِتَوْكِيدِ حُرْمَتِهَا وَحَظْرِ مُخَالَفَتِهَا ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيمَا عَقَدَهُ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ ، وَمِنَ الْإِسْلَامِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي اللُّزُومِ وَفِي الْكَفَّارَةِ ؛ وَلِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنَ اللَّهِ أَغْلَظُ مَأْثَمًا ، وَأَشَدُّ حَظْرًا مِنَ الْحَلِفِ بِاللَّهِ ، فَلَمَّا انْعَقَدَتِ الْيَمِينُ ، وَلَزِمَ التَّكْفِيرُ فِي أَحَقِّ الْمَأْثَمَيْنِ كَانَ لُزُومُهَا فِي أَغْلَظِهِمَا أَوْلَى . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ، [ 11 الْأَنْعَامِ: 109 ] ، . فَجَعَلَهَا غَايَةَ الْأَيْمَانِ وَأَغْلَظَهَا ، فَلَمْ تَتَغَلَّظِ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ . وَرَوَى مُحَمَّدُ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ ، إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ . وَهَذَا نَصٌّ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ:"فَقَدْ أَشْرَكَ"، فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ: وَلِأَنَّهُ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ: فَوَجَبَ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ: كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا زَانٍ أَوْ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ قَاتِلُ نَفْسٍ ؛ وَلِأَنَّهُ حَلَفَ بِمَخْلُوقٍ يُحْدَثُ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْكُفْرِ وَبَرَاءَتَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت