فهرس الكتاب

الصفحة 7122 من 8432

وَقَتَادَةَ تَعَلُّقًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ [ الْمَائِدَةِ: 89 ] ، فَعَلَّقَ الْكَفَّارَةَ بِالْيَمِينِ دُونَ الْحِنْثِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا فَغَزَاهُمْ وَلَمْ يُكَفِّرْ وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ [ الْمَائِدَةِ: 89 ] ، يَعْنِي: وَحَنِثْتُمْ ، كَمَا قَالَ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ الْبَقَرَةِ: 184 ] ، أَيْ: فَأَفْطَرْتُمْ ، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، فَحَذَفَ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ حِنْثُهُ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً . وَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي حِنْثِ الطَّاعَةِ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي حِنْثِ الْمَعْصِيَةِ: لِأَنَّ فِعْلَ الطَّاعَةِ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَغَيْرُ آثِمٍ فِيهِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَكْفِيرٍ كَالْقَتْلِ ، إِنْ أَثِمَ بِهِ كَفَّرَ ، وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِهِ لَمْ يُكَفِّرْ ، وَهَذَا خَطَأٌ: لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُكَفِّرَ فِي فِعْلِ الطَّاعَةِ كَالْمُحْرِمِ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ الصَّيْدِ كَانَ مُطِيعًا فِي قَتْلِهِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْجَزَاءِ ، وَكَالْقَاتِلِ الْخَطَأِ لَيْسَ يَأْثَمُ ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي حِنْثِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ، فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ فِي الْحِنْثِ وَحْدَهُ لِتَعَلُّقِهَا بِحَلِّ مَا عَقَدَهُ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [ التَّحْرِيمِ: 2 ] ، وَقَالَ لِيَحُضَّ أَصْحَابَنَا: إِنَّهَا تَجِبُ بِالْيَمِينِ وَالْحِنْثِ كَالزَّكَاةِ تَجِبُ بِالنِّصَابِ وَالْحَوْلِ: لِأَنَّ الْحِنْثَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعَقْدِ الْيَمِينِ . وَالْأَصَحُّ عِنْدِي مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُ الْيَمِينِ ، فَإِنْ كَانَ عَقَدُهَا طَاعَةً وَحَلُّهَا مَعْصِيَةً وَجَبَتْ بِالْيَمِينِ وَالْحِنْثِ: لِأَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْمَعْصِيَةِ أَخَصُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَمَنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا وَلَمْ يَكُنْ أَثِمَ وَكَفَّرَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ حَلَفَ لَا يَنْفَعُ رَجُلًا ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُ ، وَبِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الظِّهَارِ: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِالْحِنْثِ عَامِدًا وَبِالتَّكْفِيرِ ، وَدَلَّ إِجْمَاعُهُمْ أَنَّ مَنْ حَلَفَ فِي الْإِحْرَامِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَمْدًا أَوْ أَخْطَأَ فِي الْكَفَّارَةِ سَوَاءٌ ، عَلَى أَنَّ الْحَلِفَ بِاللَّهِ وَقَتْلَ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فِي الْكَفَّارَةِ سَوَاءٌ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْيَمِينُ عَلَى الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ ، فَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي فَضَرْبَانِ:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت