أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ يَمِينًا لِنَفْسِهِ عَلَى فِعْلِ صَاحِبِهِ ، فَتَكُونُ يَمِينًا لَهُ مُعَلَّقَةٌ بِفِعْلِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ مَا قَالَ بَرَّ الْحَالِفُ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ الْحَالِفُ ، وَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ دُونَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَأَوْجَبَهَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ دُونَ الْحَالِفِ ، احْتِجَاجًا بِرِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى أَحَدٍ بِيَمِينٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ سَيَبَرُّهُ فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِي لَمْ يَبَرَّهُ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ [ الْمَائِدَةِ: 189 ] ، فَجَعَلَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْحَالِفِ دُونَ الْمُحْنِثِ ، وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِمَا يُوَافِقُ هَذَا . رَوَى رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَهَدَتْ لَنَا امْرَأَةٌ طَبَقًا فِيهِ تَمْرٌ ، فَأَكَلَتْ مِنْهُ عَائِشَةُ ، وَأَبْقَتْ تُمَيْرَاتٍ ، فَقَالَتْ لَهَا الْمَرْأَةُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ إِلَّا أَكَلْتِيهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِرِّيَهَا: فَإِنَّ الْإِثْمَ عَلَى الْمُحْنِثِ ، فَجُعِلَ الْبِرَّ وَالْحِنْثَ عَلَى الْحَالِفِ وَالْإِثْمَ عَلَى الْمُحْنِثِ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .
فَصْلٌ: وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُرِيدَ الْحَالِفُ بِيَمِينِهِ يَمِينًا يَعْقِدُهَا عَلَى الْمُسْتَحْلِفِ انعقاد اليمين في هذه الحالة يُلْزِمُهُ بِرَّهَا وَحِنْثَهَا ، فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لِلْحَالِفِ: لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا ، وَلَا تَكُونُ يَمِينًا لِلْمُسْتَحْلِفِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِهَا ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُ الْمُكْرَهِ مَعَ حَلِفِهِ كَانَتْ يَمِينُ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ أَوْلَى أَنْ لَا تَنْعَقِدَ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُرِيدَ بِهَا السُّؤَالَ وَالطَّلَبَ ، وَلَا يَقْصِدَ بِهَا يَمِينًا لِنَفْسِهِ وَلَا لِصَاحِبِهِ ، فَلَا تَكُونُ يَمِينًا بِحَالٍ . وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يُطْلِقَهَا ، وَلَا تَكُونُ لَهُ نِيَّةٌ فِيهَا بِيَمِينٍ وَلَا غَيْرِهِ ، فَلَا تَكُونُ يَمِينًا ، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا عُرْفُ شَرْعٍ وَلَا عُرْفُ اسْتِعْمَالٍ ، فَخَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ الْأَيْمَانِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ انعقاد اليمين في هذه الحالة ، فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ يَمِينًا: لِأَنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ عَهْدًا أَنْ يُؤَدِّيَ فَرَائِضَهُ ، وَكَذَلِكَ مِيثَاقُ اللَّهِ بِذَلِكَ وَأَمَانَتُهُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: إِذَا قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ أَوْ قَالَ: عَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ أَوْ جَمْعَ بَيْنِهِمَا ، فَقَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ ، كَانَا مِنْ صَرِيحِ الْأَيْمَانِ ، فَيَكُونُ يَمِينًا فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ التَّغْلِيظِ عَلَى الْأَيْمَانِ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا تَكُونُ يَمِينًا إِذَا لَمْ يَنْوِهَا ؛ لِأَنَّ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ