وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ قَصَدَ تَأْخِيرَهَا ، وَإِيقَاعَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَعْمِدُوا بِالصَّلَاةِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَغُرُوبَهَا وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى يَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ فَمُنْتَقَضٌ بِشَهْرِ رَمَضَانَ يَجُوزُ فِيهِ صَوْمُ الْفَرْضِ ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ صَوْمُ النَّفْلِ ، وَيَنْتَقِضُ أَيْضًا بِعَصْرِ يَوْمِهِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي يَوْمِ النَّحْرِ ، وَيَوْمِ الْفِطْرِ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَنْعَقِدُ فِيهِمَا بِحَالٍ ، وَقَدْ تَنْعَقِدُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بَعْضُ الصَّلَوَاتِ إِجْمَاعًا وَهِيَ عَصْرُ يَوْمِهِ ، وَسَائِرُ الْفَرَائِضِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا لِأَجْلِ الْفَصْلِ ، فَلَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارُ الْأَصْلِ بِالْفَرْعِ ، وَأَمَّا اعْتِرَاضُ الْمُزَنِيِّ بِالْوِتْرِ ، وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَسَنَشْرَحُ الْمَذْهَبَ فِيهِمَا ، وَنُوَضِّحُ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ فِي اعْتِرَاضِهِ عِنْدَ وُرُودِ ذَلِكَ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي أُخْرَى أَتَمَّهَا ، ثُمَّ قَضَى ، وَإِنْ ذَكَرَ خَارِجَ الصَّلَاةِ بَدَأَ بِهَا فَإِنْ خَافَ فَوْتَ وَقْتِ الَّتِي حَضَرَتْ بَدَأَ بِهَا ثُمَّ قَضَى . ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) : قَالَ أَصْحَابُنَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ: التَّطَوُّعُ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا: صَلَاةُ جَمَاعَةٍ مُوَكَّدَةٍ لَا أُجِيزُ تَرْكَهَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا ، وَهِيَ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ ، وَكُسُوفُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَالِاسْتِسْقَاءِ ، وَصَلَاةُ مُنْفَرِدٍ ، وَصَلَاةٌ بَعْضُهَا أَوْكَدُ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَوْكَدُ ذَلِكَ الْوِتْرُ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ صَلَاةُ التَّهَجُّدِ ، ثُمَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ ، وَمَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا أَسْوَأَ حَالًا مِمَّنْ تَرَكَ جَمِيعَ النَّوَافِلِ ، وَقَالُوا: إِنْ فَاتَهُ الْوِتْرُ حَتَّى تُقَامَ الصُّبْحُ لَمْ يَقْضِ ، وَإِنْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ حَتَّى تُقَامَ الظُّهْرُ لَمْ يَقْضِ ، وَلَا أُرَخِّصُ لِمُسْلِمٍ فَيَ تَرْكِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَإِنْ لَمْ أُوجِبْهُمَا . ( وَقَالَ ) : إِنْ فَاتَهُ الْوِتْرُ لَمْ يَقْضِ ، وَإِنْ فَاتَهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ حَتَّى تُقَامَ صَلَاةُ الظُّهْرِ لَمْ يَقْضِ ، وَقَالُوا: فَأَمَّا صَلَاةُ فَرِيضَةٍ ، أَوْ جِنَازَةٍ ، أَوْ مَأْمُورٍ بِهَا مُؤَكَّدَةٍ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا ، أَوْ كَانَ يُصَلِّيهَا فَأَغْفَلَهَا ، فَلْيُصَلِّ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدَّلَالَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا وَبِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى قَيْسًا يُصَلِّي بَعْدَ الصُّبْحِ ، فَقَالَ:"مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ ؟ فَقَالَ: رَكْعَتَا الْفَجْرِ . فَلَمْ يُنْكِرْهُ ، وَبِأَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَسَأَلَتْهُ عَنْهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ ، فَقَالَ: هُمَا رَكْعَتَانِ كُنْتُ أُصَلِّيهِمَا ، فَشَغَلَنِي عَنْهُمَا الْوَفْدُ وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ وَأُحِبُّ فَضْلَ الدَّوَامِ . ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) : يُقَالُ لَهُمْ فَإِذَا سَوَّيْتُمْ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ التَّطَوُّعِ الَّذِي لَيْسَ بِأَوْكَدَ وَبَيْنَ الْفَرْضِ لِدَوَامِ التَّطَوُّعِ الَّذِي لَيْسَ بِأَوْكَدَ ، فَلِمَ أَبَيْتُمْ قَضَاءَ الْوِتْرِ الَّذِي هُوَ أَوْكَدُ ، ثُمَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ فِي التَّأْكِيدِ اللَّتَيْنِ هُمَا أَوْكَدُ ؟ أَفَتَقْضُونَ الَّذِي لَيْسَ بِأَوْكَدَ ، وَلَا تَقْضُونَ الَّذِي هُوَ أَوْكَدُ ؟ وَهَذَا مِنَ الْقَوْلِ غَيْرُ مُشْكِلٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَمِنَ احْتِجَاجِكُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَضَاءِ التَّطَوُّعِ:"مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا"فَقَدْ خَالَفْتُمْ مَا احْتَجَجْتُمْ