فهرس الكتاب

الصفحة 7169 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الصِّيَامُ عَنِ الْحَيِّ ، فَلَا يَجُوزُ إِجْمَاعًا بِأَمْرٍ أَوْ غَيْرِ أَمْرٍ ، عَنْ قَادِرٍ أَوْ عَاجِزٍ ، لِلظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [ النَّجْمِ: 39 ] ؛ وَلِأَنَّ مَا تَمَحَّضَ مِنْ عِبَادَاتِ الْأَبْدَانِ لَا تَصِحُّ فِيهَا النِّيَابَةُ ، كَالصَّلَاةِ ، وَخَالَفَ الْحَجُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَلَّقَ وُجُوبُهُ بِالْمَالِ لَمْ يَتَمَحَّضْ عَلَى الْأَبْدَانِ ، فَصَحَّتْ فِيهِ النِّيَابَةُ كَالزَّكَاةِ . فَأَمَّا الصِّيَامُ عَنِ الْمَيِّتِ حكم ، فَقَدْ وَقَفَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَوْمِ نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهَا ، فَمَاتَتْ قَبْلَ صِيَامِهِ ، فَأَجَازَ لَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا . وَقَدْ حَكَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ الْخَبَرَ قَدْ صَحَّ ، فَصَارَ مَذْهَبُهُ فِي الْقَدِيمِ جَوَازَ الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ ، وَقَدْ رَوَى عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ: وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَدْخُلُ فِي جُبْرَانِهَا الْمَالُ ، فَصَحَّتْ فِيهَا النِّيَابَةُ ، كَالْحَجِّ طَرْدًا وَالصَّلَاةِ عَكْسًا ، وَدُخُولُ الْمَالِ فِي جُبْرَانِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: جُبْرَانُ الصِّيَامِ فِي الْوَطْءِ بِالْكَفَّارَةِ . وَالثَّانِي: عَجْزُ الشَّيْخِ الْهَرِمِ عَنِ الصِّيَامِ ، وَانْتِقَالُهُ إِلَى إِخْرَاجِ مُدٍّ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: إِنَّ النِّيَابَةَ فِي الصِّيَامِ حكم لَا تَجُوزُ بِحَالٍ عَنْ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ أَطْعَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ عَلَى الْبَدَنِ لَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِالْمَالِ ، فَلَا تَصِحُّ فِيهَا النِّيَابَةُ كَالصَّلَاةِ طَرْدًا ، وَالْحَجِّ عَكْسًا ، فَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَعْلُولٌ ، وَإِنْ صَحَّ كَانَ مُحْتَمِلًا أَنْ يُرِيدَ بِالصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ الصَّدَقَةَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمُدٍّ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا الصَّلَاةُ عَنِ الْمَيِّتِ حكم ، فَقَدْ حُكِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ جَوَازُهُ ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ تَفَرَّدَا بِهِ عَنِ الْجَمَاعَةِ اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا جَازَتِ النِّيَابَةُ فِي رَكْعَتِي الطَّوَافِ إِجْمَاعًا جَازَتْ فِي غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ قِيَاسًا . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا صَحَّتِ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعَ الْعَجْزِ دُونَ الْقُدْرَةِ ، وَصَحَّتْ فِي الزَّكَاةِ مَعَ الْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ لَمْ تَخْرُجِ النِّيَابَةُ فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَحَدِهِمَا ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ النِّيَابَةَ فِي الصَّلَاةِ حكم لَا تَصِحُّ بِحَالٍ مَعَ قُدْرَةٍ وَلَا عَجْزٍ: لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ حَجٍّ بِقَضَاءٍ ، أَوْ دَيْنٍ يُؤَدَّى ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت