وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ ، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ ، فَقَالَ: هَلْ تَجِبُ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لَكَ وَلَا لِقَوْمِكَ فَلَوْ كَانَ الْوِتْرُ وَاجِبًا لَعَمَّ وُجُوبُهُ جَمِيعَ النَّاسِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ أَنَّ الْمُخْدِجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُدْعَى بِأَبِي مُحَمَّدٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ ، قَالَ الْمُخْدِجِيُّ: فَوَجَدْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ فَقَالَ: كَذَبَ أَبُوِ مُحَمَّدٍ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"خَمْسٌ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ ، فَمَنْ أَتَى بِهِنَّ ، وَلَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِهِنَّ كَانَتْ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَهْدٌ ، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَرَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ حَدِيثَ الْمِعْرَاجِ قَالَ: لَمَّا عَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُرِضَ عَلَى أُمَّتِهِ خَمْسُونَ صَلَاةً ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: سَلْ رَبَّكَ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ قَالَ: فَتَرَدَّدْتُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، حَتَّى رَدَّهَا إِلَى خَمْسٍ ، وَسَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي إِلَّا أَنِّي قَدْ مَضَيْتُ فَرِيضَتِي ، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي ، وَجَعَلْتُ لَهُمْ بِكُلِّ حَسَنَةٍ أَمْثَالَهَا: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ ق: ] . ورَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُتِبَ عَلَيَّ الْوِتْرُ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ ، وَكُتِبَتْ عَلَيَّ الْأُضْحِيَةُ ، وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَمْ يُسَنَّ لَهَا الْأَذَانُ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ وَاجِبَةً عَلَى الْكَافَّةِ ابْتِدَاءً بِأَصْلِ الشَّرْعِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ النَّوَافِلِ ، وَلِأَنَّ الصَّلَوَاتِ ضَرْبَانِ فَرْضٌ ، وَنَفْلٌ ، فَلَمَّا كَانَ فِي جِنْسِ الْفَرْضِ وِتْرٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي جِنْسِ النَّفْلِ وِتْرٌ كَالْفَرَائِضِ . وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ قِيَاسًا: أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي جِنْسِهِ وِتْرٌ كَالْفَرَائِضِ ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ سُنَنِهَا أَنْ تَكُونَ تَبَعًا لِغَيْرِهَا فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ نَفْلًا قِيَاسًا عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهَا ، وَلَا يَفْسُقُ تَارِكُهَا ، وَلَا يُقْتَلُ مَنْ تَوَانَى عَنْهَا ، فَكَانَتْ بِالنَّوَافِلِ أَشْبَهَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِيمَا ذَكَرْنَا . فَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ عَنْ جَوَابِهِمْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَكُمْ"فَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ: لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنَا بِصَلَاةِ النَّفْلِ كَمَا أَمَرَنَا بِالْوَاجِبِ ."